in , ,

هل ركزت الفتوحات الاسلامية على الارباح الاقتصادية و الغنائم؟

لم يمض على وفاة رسول الله سبعون سنة حتى كان الإسلام قد امتد من المحيط الهندي حتى المحيط الأطلسي ، فما هي الدوافع التى أدت بالعرب إلى الصبر على الجهاد حتى استطاعوا إحداث ثورة ضخمة فى تاريخ العالم؟ وهل كانت أهدافهم اقتصادية بحتة مثلما كانت أهداف القبائل الجرمانية فى الإستيلاء على امبراطورية الرومان؟

هل ركزت الفتوحات الاسلامية على الارباح الاقتصادية و الغنائم؟

إن أسباب حركة الفتوح العربية ، والسرعة الفائقة التى تمت بها هذه الحركة ، والنجاح السريع الذى أحرزته ، كانت من الموضوعات التى احتلت جزءًا كبيرًا من تفكير المؤرخين ، فبعد وفاة رسول الله بنحو سبعين عامًا ، كانت رايات المسلمين ترفرف من المحيط الهندي إلى المحيط الأطلسي ، تعالوا نتناول بشيء من التفصيل ذلك الموضوع الذى حير كثيرًا من المشتغلين بالتاريخ.

نبذة عن الفتوح الإسلامية بعد وفاة رسول الله:

ج: هل كان الفاتحون المسلمون مثل القبائل الجرمانية؟ وهل حاربوا من أجل أهداف اقتصادية بحتة؟

كان الفرس والروم مشغولين بالنزاع فيما بينهم عما كان يجرى فى الجزيرة العربية ، ففى فترة حروبهم الطويلة استطاع رسول الله جعل العرب أمة واحدة يخضعون للدولة الإسلامية ، ولكن الرسالة كانت إلى الناس كافة ، ومن ثم غدت مهمة رسول الله أن يدعو الأمم المجاورة لاعتناق الدين الحق والإيمان بالرسالة ، ولكن رسل رسول الله إلى ملوك تلك الأمم لاقى بعضهم إعراضًا وامتهانًا ، مما جعل رسول الله يعد العدة للغزو والجهاد ، ولكن موجة الفتوح الإسلامية لم تشتد وتتسع إلا بعد وفاة رسول الله.

لم يكن عجيبًا أن يتجاسر العرب فى محاربة الفرس والروم – أكبر امبراطوريتين آنذاك – ، ولكن العجيب حقًا هو محاربة العرب المسلمين للفرس والروم فى وقت واحد ، وإحرازهم انتصارات ضخمة على الدولتين ، حيث انتصر المسلمون على الروم فى معركتي أجنادين واليرموك ، اللذين كانا بوابة لفتح مدن الشام وحواضرها.

ج: هل كان الفاتحون المسلمون مثل القبائل الجرمانية؟ وهل حاربوا من أجل أهداف اقتصادية بحتة؟

كذلك لم تكن انتصارات العرب على الفرس أقل سرعة من انتصاراتهم على الروم ، حيث تم فتح العراق وبلاد فارس عقب موقعتي القادسية ونهاوند ، واتجه المسلمون نحو مصر ففتحوها عام 641م ، ثم اتجهت أنظارهم نحو شمال أفريقية ، الذى استمرت الحروب والفتوحات فيها عقودًا من الزمن قبل الاستقرار تمامًا بفضل جهود موسى بن نصير.

على أن المسلمين لم يقنعوا بشمال أفريقية ، وإنما تمكنوا من الاستيلاء على الأندلس عام 713م ، على يد طارق بن زياد وموسى بن نصير ، وبذلك خسرت الكنيسة المسيحية بلادًا ارتبطت بها مثل مصر والشام ، فضلاً عن بلاد كانت بمثابة قواعد أساسية من البلدان المسيحية مثل الأندلس وشمال أفريقية ، وفى كل تلك البلدان أقبل الأهالى على اعتناق الاسلام عن اختيار و إرادة حرة.

ظاهرة تاريخية فريدة:

ج: هل كان الفاتحون المسلمون مثل القبائل الجرمانية؟ وهل حاربوا من أجل أهداف اقتصادية بحتة؟

فيما سبق تتضح ظاهرة فريدة جديرة باهتمام المؤرخين ، فالعرب الذين غزوا العالم الروماني كانوا أقل عددًا بكثير من الجرمان الذين تدفقوا على قلب ذلك العالم ، ومع ذلك فإن الكنيسة النصرانية والحضارة الرومانية تغلبت على هؤلاء الجرمان واستوعبتهم ، فى حين كانت الغلبة فى جميع الجهات التى فتحها المسلمون لحضارتهم وديانتهم.

إن ما يفسر ما حدث فى تلك الآونة هو أن الجرمان لم يكن لديهم ما يواجهون به كنيسة العالم الروماني ، فى حين ظهر العرب مزودين بعقيدة أدت إلى تماسكهم ، وحالت دون ذوبانهم فى المجتمع الجديد.

الفتوحات: لأجل الدعوة إلى الإسلام؟ أم لأجل المال والطعام؟:

ج: هل كان الفاتحون المسلمون مثل القبائل الجرمانية؟ وهل حاربوا من أجل أهداف اقتصادية بحتة؟

كانت حركة الفتوح الإسلامية من الموضوعات التى احتلت جزءًا كبيرًا فى تفكير المؤرخين ، ذلك أنه لم تمض على وفاة رسول الله سبعة عقود حتى امتد الإسلام من المحيط الهندي شرقًا حتى المحيط الأطلسي غربًا.

حقيقة كان نزاع الفرس والروم من العوامل التى يسرت مهمة الفتوح الإسلامية ، ولكن كان لا بد من وجود دافعة أدت بالعرب إلى إحداث هذه الثورة التاريخية الضخمة طوعًا لا كرهًا.

حاول بعض المؤرخين تفسير هذه القوة على أسس اقتصادية بحتة ، فالأستاذ بيكر (Becker) يريد أن يثبت أن ”الفتوح الإسلامية لم تكن مفاجئة ، وإنما حلقة أخيرة من سلسلة الهجرات السامية من شبه الجزيرة العربية ، نتيجة تقلب الأحوال الاقتصادية“ ، وبعبارة أخرى يحاول بيكر إثبات أنه لا فرق بين الفتوحات الإسلامية والهجرات الآرامية والكنعانية وغيرها ، ويميل إلى ذلك الرأي برناردلويس ، وأيضًا توماس أرنولد يعبر عن تلك الفكرة تعبيرًا أكثر جرأة ، فيقول:

”إن حركة التوسع العربي كانت هجرة جماعة نشيطة دفعها الجوع والحرمان إلى هجر صحاريها المجدبة واجتياح بلاد أكثر خصبًا كانت ملكًا لجيران أسعد منهم حظًا“

فاتحون لا ناهبون:

ج: هل كان الفاتحون المسلمون مثل القبائل الجرمانية؟ وهل حاربوا من أجل أهداف اقتصادية بحتة؟

يرد على توماس أرنولد الذى عاش فى القرن العشرين حاكم روماني معاصر للفتوحات الإسلامية ، حيث أرسل إليه هرقل يوبخه لعجزه عن صد المسلمين ، فرد عليه هذا الحاكم الروماني قائلاً:

”إنهم أقل منا عددًا ، ولكن عربيًا واحدًا يعادل مائة من رجالنا ، ذلك أنهم لا يطمعون فى شيء من لذات الدنيا ، ويكتفون بالكساء البسيط والغذاء القليل ، فى الوقت الذى يرغبون فى الشهادة ، لأنه أفضل طريق إلى الجنة ، فى حين نتعلق نحن بأهداب الحياة ونخشى الموت ، يا سيدى الامبراطور“

وكذلك يؤكد بيرين (pirenne) أن الحماسة الدينية وحدها هي التى أدت إلى نجاح العرب فى حركتهم التوسعية ، فيقول:

”إن الفارق بين الجرمان أو المغول الذين غادروا بلادهم ومعهم نساؤهم وأطفالهم وعبيدهم ومواشيهم بغية السلب والنهب والحصول على أرض جديدة تدر عليهم من خيراتها ما يكفل لهم عيشًا رغيدًا ، وبين العرب الذين خرجوا ينادون بأن لا إله إلا الله محمد رسول الله ، دون أن يصطحبوا معهم سوى سيوفهم وخيولهم ، حقيقة أن حركة الفتح الإسلامي أعقبتها حركة أخرى للهجرة والاستقرار فى الولايات الإسلامية الجديدة التى تم فتحها ، ولكن هذه الحركة الأخيرة لم تبدأ إلا بعد انتهاء الأولى بنحو قرنين تغيرت فيهما أوضاع البلاد المفتوحة ، وأصبحت جزءًا من الوطن الإسلامي الكبير“.

  • المصادر والمراجع:

  1. تاريخ أوربا فى العصور الوسطى ، سعيد عبد الفتاح عاشور
  2. التاريخ الإسلامي: (1) عصر الرسول والخلفاء الراشدين ، أحمد شلبي
  3. التاريخ الإسلامي: (2) السيرة النبوية ، محمود شاكر
  4. التاريخ الإسلامي: (3) الخلافة الراشدة ، محمود شاكر
  5. التاريخ الإسلامي الوجيز ، محمد سهيل طقوش
  6. تاريخ الخلفاء الراشدين ، محمد سهيل طقوش
  7. العرب فى التاريخ ، برنارد لويس
  8. الدعوة إلى الإسلام ، أرنولد
  9. المدينة الإسلامية وأثرها فى الحضارة الأوروبية ، سعيد عبد الفتاح عاشور

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0