in

هؤلاء العلماء حضر مجالسهم مئات الالوف من الناس؟؟

وفي ’مرآة الزمان‘ لسبط ابن الجوزي؛ أن الواعظ عبد الرحمن بن مروان التَّنوخي المَعَرِّي (ت 559هـ) كان “شحّاذًا نتّاشًا حَوَّاشًا، قلما يخلو يوما شَرَكُه من صيد، حتى لو رآه الحريري (= صاحب ‘المقامات‘) لم يذكر أبا زيد [السروجي]”!! وكان هذا الواعظ في بداية مساره الوعظي “ينشد في صباه في الأسواق ويمشي على الدَّكاكين، وكان في صوته شجًى…، ورُزِق قَبولًا واكتسب من الوعظ مالًا”.

هؤلاء العلماء حضر مجالسهم مئات الالوف من الناس؟؟

“ما لكم تعزلونني؟! إنما أنا قاصٌّ (= واعظ)، فإن قلتم لي زد في قصصك زدتُ، وإن قلتم قصّر قصرتُ؛ فما لكم تعزلونني؟!”. هكذا صاح محتجاًّ أبو الهيثم سليمان بن عمرو العُتْواري (ت بعد 91هـ) الذي كان أحد أشهر الوعاظ في مصر أيام بني أمية، كان يجيد التأثير والتجييش، ونزع العَبَرات والآهات، يفهم حدود دوره، ويقدم خدماته لقاء المال والحظوة، ولذلك “قدم مصر فأقام بها يلتمس الرزق والمعاش”؛ كما ذكر الفسوي (277هـ) في ’المعرفة والتاريخ’.

والحقيقة أنه إذا كان في التاريخ الإسلامي تحول اجتماعي عجيب في سرعته وغرابته فهو أمر القصاص والوعاظ؛ تلك الفئة التي لم تكن موجودة زمن النبي صلى الله وسلم وخليفته الأول أبي بكر الصديق (13هـ) وجزء من خلافة عمر الفاروق (ت 23هـ)، لكنها سرعان ما انتشرت بعد حصول أول قاصٍّ على الإذن بالقص من الخليفة عمر، فاشتبكوا مع الحكام وتدخلوا في أحابيل السياسة، ونالوا المال الوفير من تجارة الوعظ والترغيب في الآخرة.

وهذا المقال يرصد حركة الوعظ والقصص تاريخيا؛ فيقف على بعض ما عرفته من أطوار وأدوار، ونماذج من أشهر ما ارتبط بها من أعلام وشخصيات، وما اكتنفها من توظيف انحرف بها عن هدفها الأصلي، وما شابها من عادات في الممارسات والآليات أدت بها إلى أن أصبحت صناعة مجتمعية للكسب أكثر من كونها وسيلة للتزكية والتصحيح والتقويم؛ فمن المهم رصد “وعاظ الخبز” هؤلاء ومد خيوطهم حتى اللحظة، حيث يحيا المسلمون بين زوايا دعاة الضمير ودعاة الخبز.

بداية منضبطة
كان إذنُ الخليفتين عمر الفاروق وعثمان بن عفان (ت 35هـ) للقصاص والوعاظ مقتصرا على التذكير بالقرآن، “وقد نهى علي بن أبي طالب (ت 40هـ).. أبا يحيى عن القص في مسجد الكوفة لأنه لا يعرف الناسخ والمنسوخ”؛ كما ذكر ابن الجوزي (ت 597هـ) في ’نواسخ القرآن’. ولما جاء بنو أمية انتبهوا بدهائهم السياسي للقيمة الدعائية للوعاظ فوظفوهم في الترويج لرؤاهم السياسية ونشر مناقبهم، وتشويه خصومهم والخارجين على حكمهم من مختلف الطوائف.

ومن جهود معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ) في ترسيخ ضبط الحاكم للوعاظ والقصاص؛ ما رواه ابن حجر (ت 852هـ) -في ’الإصابة’- من أن معاوية عندما كان واليا على الشام لعثمان “أتى على كعب (= كعب الأحبار التابعي المتوفى 34هـ) وهو يقصّ، فقال: سمعت رسول اللَّه (ص) يقول: «لا يقصّ على النّاس إلّا أمير أو مأمور أو متكلّف»، فأمسك كعب عن القصص حتى أمره به معاوية”.

وبشأن إقحام الوعظ في المعترك السياسي؛ يفيدنا ابن حجر أيضا -في ’رفع الإصر عن قضاة مصر’- بأن “السبب في ذلك أن علياً لما رجع من [معركة] صفِّين قَنَتَ، فدعا على مَن خالفه؛ فبلغ ذلك معاوية فأمر من يقص بعد الصبح وبعد المغرب أن يدعو له ولأهل الشام، وكتب بذلك إلى الأمصار” التابعة له.

وهذا التحول الخطير والمبكر في مسار الوعظ رصد نشأتَه ورسالته الإمامُ الليث بن سعد (ت 175هـ) فقال: “هما قَصَّان: قصص العامة، يجتمع إليه النفر من الناس يعظهم ويذكرهم؛ وقصص الخاصة وهو الذي أحدثه معاوية، ولَّى رجلا على القصص إذا سلم الإمام من صلاة الصبح جلس فذكر الله وحده ومَجَّده، وصلى على نبيه وسلم، ودعا للخليفة وأهله ولأهل ولايته وجنوده، وعلى أهل حربه، وعلى الكفار كافة”.

ولم يكن العباسيون بأقل توظيفا من الأمويين لمجالس الوعظ والقصص للدعاية السياسية؛ إذ أزاح بنو العباس الوعاظ والقصاص الأمويين كما ذكر الفسوي في خبر أبي الهيثم العُتْواري الذي صدّرنا به الحديث؛ فقد كان “قاصَّ الجماعة بمصر أيام بني أمية، فلما جاء عمال بني العباس عزلوه عن القصص، فاشتد ذلك عليه”. وشدة العزل على نفس أبي الهيثم رافقها تعليقه الطريف والكاشف -بدلالة بالغة- لجاهزية كثير من الوعاظ والقصاص لتقديم ما يطلبه الحاكمون!
هؤلاء العلماء حضر مجالسهم مئات الالوف من الناس؟؟

توظيف منحرف
وكان للقائد العسكري العباسي القوي أبي مسلم الخراساني (ت 137هـ) طقس طريف في التوظيف الدعائي للقصص في حربه على الأمويين، وسعيه لإقامة الدولة الهاشمية؛ فعندما تحول إلى الماخوان (= بلدة كانت تقع بما يسمى اليوم تركمانستان) استعمل النقيبَ القاسم بن مجاشع التميمي (ت بعد 158هـ) على القضاء، فـ”كان القاسم يصلي بأبي مسلم فيقص القصص بعد العصر، فيذكر فضل بني هاشم ومعايب بني أمية”؛ كما جاء في ’الكامل‘ لابن الأثير (ت 630هـ).

ولم يقتصر توظيف العباسيين للدعاية الوعظية على فترة تأسيسهم لدولتهم بل تواصل كلما تطلبته الضرورة السياسية؛ فالطبري (ت 310هـ) يذكر في تاريخه ضمن أحداث سنة 284هـ أن الخليفة المعتضد (ت 289هـ) عزم “على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب بذلك يُقرأ على الناس، فخوفه [الوزير] عبيد الله بن سليمان بن وهب (ت 288هـ) اضطرابَ العامة، وأنه لا يأمن أن تكون فتنة؛ فلم يلتفت إلى ذلك من قوله”.

ولأسباب سياسية واجتماعية لم يُقرأ كتاب المعتضد الذي تجمهر أهل بغداد لسماعه بعد خطبة الجمعة؛ فقيل إن “المعتضد أمر بإخراج الكتاب الذي كان المأمون (ت 218هـ) أمر بإنشائه بلعن معاوية، فأخرِج له من الديوان (= أرشيف الوثائق)، فأخذ من جوامعه نسخة” الكتاب الذي أذاعه في الآفاق. وحفظ كتاب المأمون هذا المحفوظ في “الديوان” للتوارث يدل على أهمية هذا البعد الدعائي للوعظ عند العباسيين.

اعلان

وقد استخدم متأخرو الخلفاء العباسيين الدعاية الوعظية في حربهم السياسية والمذهبية على الفاطميين في مصر، وتطورت الدعاية السياسية الدينية في زمنهم إلى تأليف الكتب نصرة للولاة ودحضا للخصوم؛ فقد أورد ابن رجب الحنبلي (ت 795هـ) -في ’ذيل طبقات الحنابلة’ ضمن ترجمة الواعظ الكبير أبي الفرج ابن الجوزي (ت 597هـ)- أنه في “خلافة المستضيء (ت 575هـ) قوي اتصال الشيخ أبي الفرج [به]، وصنف له الكتاب الذي سماه ‘المصباح المضيء في دولة المستضيء‘”. فلا غرابة إن أذن المستضيء لابن الجوزي سنة 568هـ بـ”أن يجلس للوعظ في باب بدر بحضرة الخليفة، وأعطاه مالا”.

ولم يكن كل الوعاظ دائرا في فلك الحكام؛ فقد سجل زهاد الإسلام مواقف خالدة في نصح السلاطين وتعكير أمزجتهم بقوارع الوعظ وزواجر الوعيد، مثل أبي مسلم الخولاني (ت 62هـ) -الذي وصفه الذهبي (ت 748هـ) في ‘سير أعلام النبلاء‘ بأنه “سيد التابعين وزاهد العصر”- مع خلفاء بني أمية؛ والإمام المعتزلي عمرو بن عبيد (ت 144هـ) وشبيب بن شيبة (ت 170هـ) مع المنصور العباسي (ت 158هـ)؛ وابن السماك (ت 183هـ) والفضيل بن عياض (ت 187هـ) مع هارون الرشيد (ت 193هـ). فهؤلاء وأمثالهم يصدق فيهم قول الذهبي في ’السير’: “كان القاص في الزمن الأول يكون له صورة عظيمة في العلم والعمل”!!
هؤلاء العلماء حضر مجالسهم مئات الالوف من الناس؟؟

دعايات مذهبية
من الأمور التي يلاحظها راصد حركة الوعظ والقصص تاريخيا أن الوعاظ كثيرا ما استغلوا مواهبهم الكلامية، وخبراتهم التأثيرية ولقاءاتهم المستمرة مع الجماهير في نشر مذاهبهم الفقهية والعقدية، أو الهجوم الشرس على الخصوم المذهبيين، وهو خروج خطير عن رسالة الوعظ الجامعة بطبيعتها ومهمة الواعظين الإصلاحية في غايتها؛ فكانت تنشأ عن ذلك فتن تستدعي تدخل الحكام والولاة لإيقاف مجالس الوعظ، أو اعتقال بعض مثيري الشغب من الوعاظ والقصاص.

فأبو القاسم القشيري (ت 514هـ) الذي ينعته ابن شاكر الكتبي (ت 764هــ) -في ’فوات الوفيات’- بأنه “كان من أئمة الدين وأعلام المسلمين”؛ لَمَّا عقد “مجلس الوعظ ببغداد وظهر له القبول العظيم وأظهر مذهب الأشعري، قامت سوق الفتنة بينه وبين الحنابلة وثار العوام إلى المقاتلة، وكوتب الوزير نظام الملك (ت 485هـ) بأن يأمره بالرجوع إلى وطنه، فأحضره وأكرمه وأمره بلزوم وطنه.. إلى أن توفي”.

وذكر ابن الجوزي -في ’المنتظم’ ضمن أحداث سنة 516هـ- أن الواعظ أبا الفتوح الإسفراييني الشافعي (ت 538هـ) “دخل بغداد فأقام بها مدة يتكلم بمذهب الأشعري ويبالغ في التعصب، وكانت الفتن قائمة في أيامه واللعنات في الأسواق، وكان بينه وبين الغزنوي (الحنفي الواعظ المتوفى 551هـ) معارضاتُ حسدٍ، فكان كل منهمـ[ـا] يذكر الآخر على المنبر بالقبيح”!!

ومن علاقات مجالس الوعظ بالتجييش العاطفي ما ذكره ابن الأثير -في أحداث سنة 554هـ- من أنه “وقع في أَسْتراباذ (= جرجان بإيران) فتنة عظيمة بين العلويين ومن يتبعهم من الشيعة، وبين الشافعية ومن معهم، وكان سببها أن الإمام محمدا الهروي وصل إلى أستراباذ فعقد مجلس الوعظ، وكان قاضيها أبو نصر.. النعيمي شافعي المذهب أيضا، فثار العلويون ومن يتبعهم من الشيعة بالشافعية ومن يتبعهم بأستراباذ”.

وفي ’تاريخ الإسلام’ للذهبي كثير من الأخبار ذات الدلالة العميقة على دور الوعاظ المحوري في نشر المذاهب وإيقاظ الفتن الطائفية؛ فمن ذلك ما ذكره من أن الواعظ سلامة المنبجي (ت نحو 580هـ) “كان قد لزم بيته وترك الخروج إلى الجماعة، لأن أهل منبج كانوا قد صاروا ينتحلون مذهب الأشعري، ويبغضون الحنابلة بسبب واعظ قدم [مدينتهم] يسمى الدماغ، فأقام بها مدة وحسّن لهم ذلك؛ وكان البلد خاليا من أهل العلم فشربت قلوبهم ذلك”. وذكر أيضا أن الواعظ أبا عثمان الصابوني (ت 449هـ) “كان أبوه.. من كبار الواعظين بنيسابور ففُتك به لأجل المذهب”.

وفي كتب التاريخ وحوادث السنين كثير من الوقائع التي تسببت في منع القصاص من الوعظ أو أن يُشترَط عليهم تجنب ما يثير البلابل؛ ففي سنة 389هـ حدثت في بغداد “وقعة عظيمة بين السنة والشيعة” مُنع بسببها “القُصَّاصُ من الوعظ”، وبعد هدوء الأمور أُذِن لهم “وشُرط عليهم ألا يتكلَّموا فيما يوجب الفتنة، واستقامت الأمور”؛ وفق ما يرويه سبط ابن الجوزي (ت 654هـ) في ‘مرآة الزمان‘.

وفي مصر؛ ذكر المقريزي -في ‘السلوك لمعرفة دول الملوك‘- أنه في سنة 760هـ عُقدت محكمة للفقيه الشافعي شمس الدين الدكالي المعروف بـ‘ابن النقاش‘ (ت 763هـ)، بعد أن “ادّعى عليه زين الدين عبد الرحيم العراقي (ت 806هـ) أنه يُفتي بغير مذهب الشافعي؛ فمُنع من الإفتاء وألا يتكلم في مجالس الوعظ إلا من كتاب، فامتنع بعد ما حُبس ثم أفرِج عنه”.

وأحيانا ينصّب الولاة “محاكم تفتيش” عن عقائد الوعاظ خوفا من بثهم “الفتنة”؛ كما فعل السلطان محمود الغزنوي (ت 421هـ) “لما دخل الري (كانت تقع قرب طهران) وقـَتل بها الباطنية منع الكل من الوعظ غير أبي حاتم (ابن خاموش الرازي المتوفي 445هـ)، وكان من دخل الري يعرض اعتقاده عليه، فإن رضيه أذن له في الكلام على الناس وإلا منعه”! وقد كان ابن خاموش يقول إن “من لم يكن حنبليا فليس بمسلم”! وهو ما جعل الذهبي يصفه -في ‘السير‘- بأنه كان “صاحب سُنّة واتباع، وفيه يُبْسُ وزَعارةُ العَجَم”!!
هؤلاء العلماء حضر مجالسهم مئات الالوف من الناس؟؟
وعظ للطلب
لم يكن قول العُتْواري الواعظ المصري المتقدم نشازا في الحركة الوعظية؛ فقد كان بعض الوعاظ دوما على أهبة الاستعداد لتقديم ما يطلبه المستمعون حكاما كانوا أو محكومين، كما أن مجالس الوعظ شهدت أحيانا إقبالا جماهيريا منقطع النظير.

يقول ابن الجوزي -في ’المنتظم’- عن الواعظ أبي الفتح الفراوي (ت 514هـ) “وكان مليح الإيراد حلو المنطق، ورأيت من مجالسه أشياء قد علّقتُ (= دوّنت) عنه فيها كلمات، ولكن أكثرها ليس بشيء، فيها أحاديث موضوعة وهذيانات فارغة يطول ذكرها”، ومثله وعاظ آخرون سمّاهم وذكر أن مجالسهم “فيها العجائب والمنقولات المتخرَّصة (= المكذوبة) والمعاني التي لا توافق الشريعة”. ثم علل هذا المنزع الذي غلب على الوعاظ بقوله: “وهذه المحنة تعم أكثر القصاص بل كلهم، لبعدهم عن معرفة الصحيح، ثم لاختيارهم ما يَنفُق على العوام كيفما اتفق”!

ومن طريف مراعاة الوعاظ لما يطلبه المستمعون ما يرويه لنا الأديب الباخرزي (ت 467هـ) -في ’دمية القصر‘- من أنه حضر مجلس وعظ القاضي أبي منصور السمعاني (ت 450هـ) “على حين غفلة منه، وهو يعظ الناس بألفاظ تُهدي إلى السامعين هُدُوَّ الجوانح، وسكونَ الجوارح، وتُحِلُّ العُصْم سهلَ الأباطح”. وبعد حديث مجاملة بين الأديب والقاضي الواعظ؛ قال الأخير: “لو علمتُ بحضورك لحبّرتُ المجلس تحبيرا”!

وقد ذكر الإمام السيوطي (ت 911هـ) -في ’حسن المحاضرة’- قصةً من قصص “حِلْم” والي مصر كافور الإخشيدي (ت 357هـ)، توضح لنا مدى استعداد الوعاظ لقلب موجات البث حسب ترددات المقصودين بالكلام؛ قال: “كان بمصر واعظ على الناس، فقال يومًا في قصصه: انظروا إلى هوان الدنيا على الله تعالى، فإنه أعطاها لمقصوصيْن ضعيفيْن: ابن بُوَيْه (= معز الدولة المتوفى 356هـ) ببغداد وهو أشلُّ، وكافور عندنا بمصر وهو خَصِيٌّ”!!

ويبدو أن الواعظ لم يقصد النكاية بالتعرض لكافور وإنما حاول لفت الانتباه إليه، وهو ما فهمه الوالي الفَطِن، ولذلك لما رفعوا إلى كافور قوله “ظنوا أنه يعاقبه؛ فتقدم له بخلعة ومئة دينار، وقال: لم يقل هذا إلا لجفائي له! فكان الواعظ يقول بعد ذلك في قصصه: ما أنجب من وَلَدٍ حامٍ إلا ثلاثة: لقمان، وبلال المؤذن، وكافور”!!

مراعاة الوعاظ لنفسيات الجماهير وحرصهم على العناية بما يطلبونه من قصص جعلت مجالس الوعظ تزدحم بالرواد من الرجال والنساء ازدحاما لفت انتباه المؤرخين؛ ففي ترجمة الذهبي -في ‘السِّيَر‘- للإمام الواعظ الوسيم علي بن محمد البغدادي المصري (ت 338هـ) أنه كان “يحضر مجلسه رجال ونساء، فكان يجعل على وجهه بُرْقُعاً خوفا أن يفتتن به الناس من حسن وجهه”!
هؤلاء العلماء حضر مجالسهم مئات الالوف من الناس؟؟

تنافس وتكاثر
يُظهر كثير من كتب التراجم الجماهيرية العريضة التي حظي بها الوعاظ تاريخيا؛ فمثلا الفقيه الواعظ رزق الله التميمي الحنبلي (ت 488هـ) كان يجتمع في مجلس وعظه “الخلقُ الكثير والجَمُّ الغفير لاستماع كلامه”؛ كما يقول ابن العديم (ت 660هـ) في ’بغية الطلب’. ويذكر الذهبي -في ’تاريخ الإسلام’- أن الواعظ أبا حفص التركستاني (ت 602هـ) كان من “بيت وعظ وتصوف”، وكان يحضر مجلس وعظه الغربي المعقود “عند تُربة.. أم الخليفة.. خلق عظيم”.

وجرّاء كثرة ازدحام جماهير الوعظ؛ قد يضطر الواعظ أحيانا إلى تغيير مكان وعظه إلى موضع آخر أرحب؛ فالفقيه الحنبلي عَبْد المنعم بْن عليّ (ت 601هـ) كان يعقد “مجلس الوعظ بمسجد ابن الواسطي، ثم كثر الناس فانتقل إلى المسجد الكبير بشارع الظفرية”؛ كما في ‘ذيل تاريخ بغداد‘ لابن النجار (ت 643هـ).

وقد يجمع الواعظ -بقوة تأثيره ونفاذ قوله في القلوب- بين الكمية في الجماهير والنوعية في الحضور؛ فالذهبي يخبرنا في ترجمة الفقيه الشافعي الواعظ أبي الخير الطالقاني القـَـزويني (ت 590هـ) أنه حين عقد مجلس الوعظ “صارت وجوه الدولة ملتفتة إليه، وكثر التعصب له من الأمراء والخواص، وأحبه العوام، وكان يجلس بالنظامية، وبجامع القصر، ويحضر مجلسه أُمم”. والواعظ القزويني هذا من “أول من تكلم بالوعظ بباب بدر الشريف”، ويوضح لنا الذهبي القيمة الرمزية لهذا الموضع في تاريخ الوعظ الإسلامي؛ فيقول إنه “مكان كان يحضر.. وعظَه الإمامُ (= الخليفة) المستضيء من وراء حجاب، وتحضر الخلائق، فكان يعظ فيه القزويني مرة، وابن الجوزي مرة”.

ويرى الإمام الذهبي أن سبب إقبال رجال الدولة والعوام على مجالس القزويني ورواج كلامه على الناس يعود “لحسن سمته، وحلاوة منطقه، وكثرة محفوظاته”، رغم أنه كان يعظ “من غير سجع ولا تزويق عبارة ولا شعر”. ويصف مجلسه بأنه كان “كثير الخير، مشتملا على التفسير والحديث والفقه، وحكايات الصالحين”.

وفي عصر القزويني؛ كان مجلس الشيخ الصوفي الكبير السُّهْرَوَرْدي (ت 632هـ) أيضا يجذب الخلق الكثير من الخواص والعوام، فقد ذكر الذهبي أنه عقد “مجلس الوعظ بمدرسة عمه على دجلة، فكان يتكلم بكلام مفيد من غير تزويق ولا تنميق، وحضر عنده خلق عظيم، وظهر له قبول عظيم من الخاص والعام، واشتهر اسمه، وقُصد من الأقطار”.
هؤلاء العلماء حضر مجالسهم مئات الالوف من الناس؟؟

رصد وإحصاء
ومن دقة اعتناء الوعاظ وكتّاب تراجمهم بأعداد الجماهير التي ترتاد مجالس وعظهم أنهم نقلوا لنا تفاصيل تلك الجماهير بالأرقام؛ فالواعظ المظفر ابن أردشير العبّادي المعروف بـ‘الأمير‘ (ت 496هـ) كان “يحضر مجلسه من الرجال والنساء ثلاثون ألفا”، وقد “أحبه الناس ولم يزل التعصب له يزداد والعلوّ في محبته يتصاعد حتى مُنع من الجلوس”. وقد بلغ مجلسُ وعظ العبادي هذا من الجلالة أن الإمام الغزالي (ت 505هـ) كان “يحضره ويذاكره”؛ كما في ’الوافي بالوفيات’ للصفدي (ت 764هـ).

ويحدثنا الشيخ عبد القادر الجيلاني (ت 561هـ) عن تجربته مع الجماهير ونمو أعدادها في مجالس الوعظ؛ فيقول حسبما نقله الذهبي في ’تاريخ الإسلام’: “كان يجلس عندي رجلان وثلاثة يسمعون كلامي، ثم تسامع الناس بي، وازدحم عليّ الخلق حتى صار يحضر المجلس نحو من سبعين ألفا”! وكان يقول: “أتمنى أن أكون في الصحاري والبراري كما كنت في أول الأمر، لا أرى الخلق ولا يروني”!

ويبقى الإمام ابن الجوزي أشهرَ من وصلتنا أرقام الحاضرين لمجالس وعظه الحاشدة؛ كما أن تاريخه الوعظي رُوي لنا بالتفصيل من عدة أوجه؛ إذ حدث هو به في كتبه، ونقله معاصروه من البغداديين أو ممن زار بغداد من غير أهلها، كالرحالة ابن جبير الأندلسي (ت 616هـ).

بدأ ابن الجوزي مساره مع الوعظ وهو طفل ابن عشر سنين (فقد وُلد 510هـ) كما يحدثنا في هذا النص؛ قال: “حملني ابن ناصر (= أبو الفضل محمد بن علي السَّلامي البغدادي المتوفى 551هـ) إلى أبي القاسم العلوي الهروي (ت 527هـ) في سنة عشرين (= 520هـ)، فلقَّنني كلمات من الوعظ، وجلس لوداع أهل بغداد..، ورقّاني يومئذ المنبر فقلت الكلمات [التي لقنني إياها]، وحُزِر الجَمْع بخمسين ألفا”.

ويوضح هذا النص أن بداية واعظ بغداد الكبير مع تليين قلوب الناس كانت جماهيرية بامتياز؛ فخمسون ألفا ليست عددا سهلا، كما وُجد له تأليف في الوعظ كتبه قبل بلوغه سنَّ العشرين. و”لما تُوفي ابن الزاغوني في سنة سبع وعشرين (= 527هـ) طَلب [ابنُ الجوزي] حلقتَه فلم يُعْطَها لصغره”، ومع ذلك “أذن له الوزير أنوشروان [ابن خالد الكاشاني المتوفى 532هـ] في الوعظ، فتكلم في هذه السنة على الناس في أماكن متعددة من بغداد، وكثرت مجالسه وازدحم عليه الناس”؛ كما يقول ابن كثير (ت 774هـ) في ‘البداية والنهاية‘.

وقد بدأت الجماهير تتزاحم على مجلس ابن الجوزي منذ أُذن له بالوعظ في جامعيْ المنصور والقصر، وحضر مجلسه كبار الأعيان من الفقهاء؛ وعن ذلك يحدثنا قائلا: “وكان يُحزَر جمع مجلسي على الدوام بعشرة آلاف، وخمسة عشر ألفا”، ويحضر إغواء الجماهيرية وتشجيع السلطان عند ابن الجوزي حين يقارن نفسه بالواعظ القزويني المتقدم فيقول: “وكنت أتكلم أسبوعا وأبو الخير القزويني أسبوعا، وجمعي عظيم وعنده عدد يسير، ثم شاع أن أمير المؤمنين لا يحضر إلا مجلسي”!
هؤلاء العلماء حضر مجالسهم مئات الالوف من الناس؟؟

حشود هائلة
وينقل ابن الجوزي مشاهد مهولة من حضور مجالس وعظه، خاصة بعد إذن الخليفة له بالجلوس عند “باب بدر”؛ فيخبرنا عن شدة ازدحام الناس وانتظارهم له في الحر أوقاتا ممتدة من الضحى لما بعد العصر، وعن تأجيرهم الأماكن المسقوفة للوقوف بحيث يسمعون وعظه. وتبلغ جماهيرية ابن الجوزي أوْجَها حين عقده مجلسا “بجامع المنصور يوم عاشوراء، وحضر من الجمع ما حُزر بمئة ألف، وجرى في سنة تسع مثل ذلك أيضا”.

لم يقف ابن الجوزي عند هذا العدد الضخم؛ بل أخذته الحماسة لمضاعفته عند حديثه عن دعوة “أهل الحربية” (= منطقة ببغداد) إياه ليعقد لهم مجلس وعظ ليلياً، فوعدهم ليلة معينة فاستقبلوه بعد المغرب بالشموع الكثيرة في طقس احتفالي بديع، وتزاحم الناس لحضور مجلسه كالعادة حتى جزم هو بأنه “لو قيل: إن الذين خرجوا يطلبون المجلس وسعوا في الصحراء بين باب البصرة والحربية مع المجتمعين في المجلس كانوا ثلاثمئة ألف، ما أبعد القائل”!!

وقد بلغ هذا الواعظ الكبير مجده الوعظي حين ختم تفسير القرآن الكريم كاملا في مجالس وعظه لأول مرة في تاريخ الإسلام؛ وفي ذلك يقول: “وفي هذه السنة (= 570هـ) انتهى تفسيري في القرآن في المجلس على المنبر إلى أن تم، فسجدت على المنبر سجدة الشكر، وقلت: ما عرفتُ أن واعظا فسّر القرآن كله في مجلس الوعظ منذ نزل القرآن؛ ثم ابتدأتُ في ختمة أفسرها على الترتيب”.

وقد وصف لنا الرحالة ابن جبير (ت 614هـ) -في رحلته- مجلس الواعظيْنِ القزويني وابن الجوزي؛ فعن الأول قال: “حضرنا مجلسه بالمدرسة المذكورة (= النِّظامية) إثر صلاة العصر من يوم الجمعة..، فصعد المنبر وأخذ القراءُ أمامه في القراءة على كراسي موضوعة، فتوّقوا وشوّقوا، وأتوا بتلاحين معجبة، ونغمات محرجة مطربة، ثم اندفع الشيخ الإمام المذكور فخطب خطبة سكون ووقار، وتصرف في أفانين من العلوم”.

ثم وصف طريقة افتتاح مجلس وعظ ابن الجوزي فقال: “ومن أبهر آياته وأكبر معجزاته أنه يصعد المنبر ويبتدئ القرّاء بالقرآن، وعددهم نيف على العشرين قارئا؛ فينتزع الاثنان منهم أو الثلاثة آية من القراءة يتلونها على نسق بتطريب وتشويق، فإذا فرغوا تلت طائفة أخرى على عددهم آية ثانية، ولا يزالون يتناوبون آيات من سور مختلفات إلى أن يتكاملوا قراءة، وقد أتوا بآيات مشتبهات، لا يكاد المتقد الخاطر يحصيها عددا، أو يسميها نسقا”.

وعن كيفية تناول ابن الجوزي لما تُلي في مجلسه من القرآن؛ يقول الرحالة الأندلسي: “فإذا فرغوا أخذ هذا الإمام الغريب الشأن في إيراد خطبته عجِلاً مُبتدِراً، وأفرغ في أصداف الأسماع من ألفاظه دُررا، وانتظم أوائل الآيات المقروءات في أثناء خطبته فِقَراً، وأتى بها على نسق القراءة لها لا مقدما ولا مؤخرا. ثم أكمل الخطبة على قافية آخر آية منها”. وقد حضر ابن جبير عدة مجالس لابن الجوزي وبالغ في وصفها وقوة تأثيرها.
هؤلاء العلماء حضر مجالسهم مئات الالوف من الناس؟؟

مواعظ مميتة
ينقل لنا المؤرخون أخبارا طريفة من مظاهر تأثير الوعاظ في الجماهير، وتوبة عصاة المسلمين منهم ودخول غير المسلمين منهم في الإسلام؛ فالشيخ عبد القادر الجيلاني يقول فيما يرويه عنه الذهبي في ‘تاريخ الإسلام‘: “أراد الله مني منفعة الخلق، فإنه قد أسلم على يدي أكثر من خمسمئة، وتاب على يدي من العيارين (= اللصوص).. أكثر من مئة ألف، وهذا خير كثير”. ومثله الشيخ السُّهْرَوَرْدي الذي “ظهرت بركات أنفاسه على خلق من العصاة فتابوا..، وصار له أصحاب كالنجوم”.

وكان الواعظ محيي الدّين ابن الهواري (ت 676هـ) يعقد مجلس وعظ فكتب الله “له القبول التّامّ، وأسلم على يده خلق كثير من المغول والترك، وتابوا على يده وصاروا يخرجون الزكوات ويواظبون على الصلوات”؛ كما أفادنا ابن الفُوَطي (ت 723هـ) في ’مجمع الآداب’.

وأحيانا يكون نصيب الواعظ من التأثير في جمهوره ضئيلا؛ فقد تحدث الغزالي -في ‘المنخول‘- عمن “يحضرون مجالس الوعظ فينغمسون.. في الغفلات والواعظ يعظهم على رؤوس المنابر مع الزعقات”!! وكما وقع للواعظ شرف الدين شوروه عبد المؤمن بن هبة الله الأصفهاني الحنفي (ت بعد 570هـ)، الذي يقول الصفدي -في ’الوافي بالوفيات‘- إنه عقد مجلس وعظ بدمشق “حضره [السلطان] نور الدين (محمود زنكي المتوفى 569هـ)، وأسلم على يده أول يوم طفل نصراني فقال بديهاً: نصبنا فخّا وأصبنا فرخا”!!

ومن الطقوس التي يقوم بها التائبون في مجالس الوعظ أنهم يحلقون رؤوسهم بمشاركة من الواعظ؛ فابن الجوزي يقول -كما جاء في ’ذيل طبقات الحنابلة‘- إنه تكلم مرة “يوم عرفة بباب بدر، فكان مجلسا عظيما تاب فيه خلق كثير، وقُطعت شعور كثيرة”. ويصف لنا الرحالة ابن جبير الأثر النفسي الكبير لابن الجوزي في جمهور مجالس وعظه؛ فيقول إنه لما اشتد وعظه “علا الضجيج، وتردد بشهقاته النشيج، وأعلن التائبون بالصياح، وتساقطوا عليه تساقط الفَراش على المصباح، كل يلقي ناصيته (= شعر مُقدَّم الرأس) بيده فيجزّها، ويمسح على رأسه داعيا له، ومنهم من يُغشى عليه فيُرفع في الأذرع إليه، فشاهدنا هولاً يملأ النفوس إنابة وندامة، ويذكرها هول يوم القيامة”!

وكذلك يقول ابن جبير عن القزويني صنو ابن الجوزي في الوعظ إنه: قد “سَرَتْ حُميّا وعظه إلى النفوس حتى أطارتها خشوعا، وفجرتها دموعا، وبادر التائبون إليه سقوطا على يده ووقوعا، فكم ناصية جَزَّ، وكم مفصل من مفاصل التائبين طبّق بالموعظة وحَزَّ؛ فبمثل مقام هذا الشيخ المبارك تُرحم العصاة، وتتغمد الجناة”.

وقد يكون التأثر وحلق الشعور لسبب بسيط في الظاهر لكنه نفسيا يفعل فعله في الجماهير؛ كما حكى لنا قاضي القضاة ابن خلّكان (ت 681هـ) -في ’وفيات الأعيان’- عن أن السُّهْرَوَرْدي “أنشد يوماً على الكرسي:
لا تسقني وحدي فما عوّدتني ** أني أَشِحّ بها على جُلّاسي
أنت الكريم ولا يليق تكرُّماً ** أن يَعْبُرَ النُّدَماءَ دَوْرُ الكاسِ
فتواجد (= تمايلوا تأثرا) الناس لذلك، وقُطعت شعور كثيرة وتاب جمع كبير”.

إن أشدّ الوعاظ تأثيرا وأخطرهم على البشر هم أولئك الذين يموت بسبب وعظهم ناسٌ من سامعيهم؛ ويبدو أن الحوادث في ذلك كثرت حتى أصبح أمرا مألوفا، بحيث وجدنا المقريزي (ت 845هـ) يتحدث -في ‘إمتاع الأسماع‘- عن “أن خلقا من هذه الأمة ماتوا في مجالس الوعظ، كما هو معروف في كتب الأخبار”!! ويحكي المقري التلمساني (ت 1041هـ) -في ’نفح الطيب’- أن الشيخ أبأ مدين الغوث (ت 594هـ) كان له “مجلس وعظ يتكلّم فيه، فتجتمع عليه الناس من كل جهة…، وكثيراً ما يموت بمجلسه أصحاب الحُب”!

ومثل ذلك ما يذكره ابن كثير -في ‘طبقات الفقهاء الشافعيين‘- من أن الفخر الرازي (ت 606هـ) “كان له مجلس كبير للوعظ، وكان يتكلم كلامًا جيدًا، وله تمكن من الوعظ باللسانين العربي والتركي، وكان يحضره الناس على اختلاف أصنافهم ومذاهبهم، ويجيء إلى مجلسه الأمراء والأكابر والملوك، ويحصل له مكان مجلسه رقة، ويُظهر خشوعًا مات بسببه أناس كثير”!!
هؤلاء العلماء حضر مجالسهم مئات الالوف من الناس؟؟

مواعيد أسبوعية
أخذ المسلمون من بنود التأسيس العمري للوعظ والقصص الالتزام بيوم محدد يناسب أزمنتهم وأمكنتهم، ومن شدة التزامهم بيوم ووقت معيّنيْن للوعظ صار يُطلق على المواعظ اسم “المواعيد” و”الميعاد”؛ فكثيرا ما يتكرر في تراجم الأعلام أن فلانا كان يعمل “المواعيد”، أي يعقد مجالس الوعظ والتحديث في أيام معينة ومواضع محددة.

ومن الطبيعي أن يكون يوم الجمعة هو الأنسب لمواعيد الوعظ؛ ولذلك كان ابن الجوزي يعظ العوام فيه بدار الوزير ابن هبيرة (ت 560هـ)، وابن العكبري البغدادي (ت 599هـ) -وهو تلميذ لابن الجوزي في الوعظ- اعتاد أن “يعقد مجلس الوعظ بجامع ابن بهليقا [غربي بغداد] في كل جمعة، فبقي على ذلك مدة طويلة ثم انقطع”؛ كما في ’ذيل طبقات الحنابلة’.

وربما رأى بعض الوعاظ أن خطبتيْ الجمعة تكفيان الناس وعظاً في يومها فجعلوا مواعيدهم الوعظية في يوم آخر؛ فالواعظ سبط ابن الجوزي (ت 654هـ) “قدم دمشق في حدود الستمئة وحظي عند ملوك بني أيوب وقدموه وأحسنوا إليه، وكان له مجلس وعظ كل يوم سبت بكرة النهار…، وقد كان الناس يبيتون ليلة السبت بالجامع ويتركون البساتين في الصيف حتى يسمعوا ميعاده، ثم يسرعون إلى بساتينهم فيتذكرون ما قاله من الفوائد والكلام الحسن على طريقة جده” أبي الفرَج ابن الجوزي؛ كما يقول النعيمي (ت 927هـ) في ’الدارس في تاريخ المدارس’. وكذلك كان قاضي القضاة نظام الدين ابن مفلح المقدسي ثم الصالحي (ت 909هـ) ممن “يعمل الميعاد يوم السبت بكرة النهار على طريقة والده”.

وكان بعض الوعاظ يعتني بإعداد دروسه كتابة في صورة بحوث منهجية مكتوبة، يعدّها بجدولة أسبوعية فيحفظها بإتقان ويلقيها أمام جمهوره بتمكّن عن ظهر قلب؛ فالحافظ ابن حجر يذكر -في ’الدرر الكامنة’- أن ابن أبي مهْدي القهري البستي (ت 719هـ) كان “سريع الحفظ يعمل مجلس الوعظ -في شهر رجب وشعبان ورمضان- في كل سبت، فيرتبه ويكتبه نَحواً من سبعمئة سطر وينظر فيه في يوم ترتيبه (= إعداده) يوم الأربعاء، ثم يكرر عليه في يوم الخميس والجمعة، ثم يمليه من صدره في يوم السبت”.

ووجدنا أن عوائل اعتنت بصنعة الخطابة فتوارثتها أجيالها وفق خطة تدريبية لأبنائها على الخطابة منذ صغرهم، ولذا وُصف كثير من الأعلام بأنه من “بيت وعظ” أو “بيت خطابة”؛ كما سبق ذكره عن الواعظ التركستاني، وكما نجده في ترجمة القاضي الواعظ عبد السلام بن يحيى التغلبي التكريتي (ت 616هـ) الذي كان “من بيت القضاء والخطابة ببلده”؛ وفقا للمؤرخ ابن الشعار الموصلي (ت 654هـ) الذي يفيدنا -في كتابه ‘قلائد الجمان‘- بأن التكريتي هذا “حفظ فصولا وعظية، ورتب له والده مجالس الوعظ..، وتكلم في دارهم حتى تمرّن وصارت له فيه دُرْبَة جيدة..، فعقد له المجلس في بعض مشاهد تكريت حيث يتكلم الوعاظ، وتكلم ووعظ الناس وعمره يومئذ تسع سنين”!!

ويبدو أنه وُجدت كذلك جماعة من “الوعاظ الرحالين” الذين كانوا يجوبون البلدان لنشر رسالة الوعظ أينما حلوا، ومنهم محمد بن عبد الوهاب الأنصاري الدمشقي الحنبلي (ت 657هـ) الذي كان تلميذا لابن الجوزي واعظ بغداد، وتحدث عنه ابن عبد الملك المراكشي (ت 703هـ) -في ‘الذيل والتكملة‘- فقال إنه لقيه بمراكش التي وصلها سنة 652هـ، ومنها عبر البحر إلى “الأندلس مطوِّفا على البلاد يعقد فيها مجالس الوعظ”، رغم أنه “كان لا يكاد يفقه ما يقول لإفراط عُجمة كانت في لسانه”؛ ومن الأندلس اتجه إلى مصر التي بها توفي!!
هؤلاء العلماء حضر مجالسهم مئات الالوف من الناس؟؟

مشاركة نسائية
لم تكن صنعة الوعظ حكرا على الرجال بل كان للنساء فيها موقع ونصيب، ولذلك كثر لقب “الواعظة” في تراجم الشيخات والعالمات. وقد ترجم الذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘- لأكثر من عشر واعظات، بينهن الواعظة: خاصةُ بنت أبي المعمر الأنصاري (ت 585هـ) فقال “إنها صاحبة الشيخ أبي النجيب السُّهْرَوَرْدي (ت 563هـ)، كانت تعظ برباطها على النساء”.

ومن أشهر الواعظات أم زينب فاطمة بنت عباس البغدادية (ت 714هـ) التي سُمي بها “رباط البغدادية” بالقاهرة عند تأسيسه سنة 684هـ، وذكر المؤرخ صلاح الدين الصفدي (ت 764هـ) -في ‘أعيان العصر‘- أنها “كانت تصعد ‏المنبر وتعظ النساء… [و] انصلح بها جماعة نساء في دمشق…، [ثم] تحولت ‏بعد السبع مئة إلى مصر، وانتفع بها في مصر من النساء جماعة، وبعُد صيتها”.

وقبل هذه الواعظة البغدادية؛ نجد شيخة دمشقية أخرى كان صعود المنبر سببا في اشتهارها ‏بـ‘العالمة‘، وهي أم الفقيه الشافعي شهاب الدين الأنصَارِيّ المعروف بِـ”ابْن العالمة”؛ فقد روى قطب الدين اليونيني (ت 726هـ) -في ‘ذيل مرآة الزمان‘- أنه لما توفي الملك ‏العادل الأيوبي سنة 615هـ بحثوا عن “امرأة تتكلم في العزاء، فذكروها ‏وأنها من الصلحاء، فأتوا في طلبها فتبرأت من ذلك لعدم خبرتها بما يليق بذلك الحال، ‏فألزموها وأخذوها مكرَهة، وكانت تحفظ كثيراً من ‘الخُـطَب النُّـباتية‘ (= خُطب الشيخ ابن نُباتة الفارقي المتوفى سنة 374هـ)؛ قالت: وكنت أسأل الله ‏تعالى في الطريق ألا يفضحني في ذلك المحفل وأنا أرجف فَرَقاً من ذلك.‏ قالت: فلما حضرتُ وصعدت المنبر سُرّيَ عني، فقرأت شيئاً من القرآن وخطبت بـ‘خطبة الموت‘…؛ فاتفق في ‏ذلك المجلس من البكاء.. ما لم يتفق في غيره. واشتهرت تسميتها بالعالمة..، وحصّلت.. دنيا طائلة”.

ومن غرائب التنظيم الإداري للوعظ النسائي بمصر أن الواعظات كنّ يتبعن لإدارة ما يمكن تسميته “نقيبة المغنيات” التي كانت تـُـدعى حينها ‘ضامنة المغاني‘ وكانت تدفع ضرائب لدولة المماليك من عائدات قطاع حرفة الغناء! ويحدثنا الإمام ابن الحاج المالكي (ت 737هـ) -في كتابه ‘المدخل‘- عن اشتهار هذا الأمر في مصر، فيقول إنه من “العجب العجيب.. اعتقاد بعضهن في هؤلاء الشيخات من النسوة، وهنّ -كما قد عُلم في هذا الزمان- لا يمضين لموضع يعملن فيه إلا بعد إطلاقهن (= الترخيص لهن) عن ‘ضامنة المغاني‘…، فتجيء -بعد إطلاقها من الضامنة- ومعها حفَدَتها ويرفعن عقيرتهن بالقراءة والذكر جماعة”!!
هؤلاء العلماء حضر مجالسهم مئات الالوف من الناس؟؟

قلوب وجيوب
من طرائف الملاحظات التي لا تخطئها عين الراصد لأدوار الوعاظ والقصّاص في التاريخ الإسلامي؛ أن بعضهم جعل الوعظ -الذي يُقصد به أصلا التزهيد في الدنيا والترغيب فيما عند الله- وسيلةً لجمع المال والإثراء، فكأن هؤلاء سعوا لترقيق القلوب وتضخيم الجيوب؛ وهي مفارقة لطيفة!

فها هو الإمام الذهبي يخبرنا -في ’تاريخ الإسلام’- أن الفقيه الحنفي أبا سعد الغياثي الماهاني (ت 554هـ) “واعظ كثير المحفوظ، كثير الرغبة في تحصيل المال”! ويقول إن الواعظ ابن نجية الأنصاري (ت 599هـ) اقتنى “أموالا عظيمة، وتنعم تنعما زائدا، بحيث أنه كان في داره عشرون جارية للفراش تساوي كل واحدة ألف دينار (= اليوم 167 ألف دولار تقريبا للواحدة!!) وأكثر، وكان يعمل له من الأطعمة ما لا يعمل للملوك، وأعطاه الخلفاء والملوك أموالا عظيمة، ومع هذا مات فقيرا، كفنه بعض أصحابه”؛ كما في ’تاريخ الإسلام’ للذهبي.

ويفيدنا السخاوي (ت 902هـ) -في ’الضوء اللامع’- بأن الفقيه الشافعي الواعظ أبا العباس القدسي (ت 870هـ) دأب على عقْد مجلس الوعظ “وساد فيه وتمول منه جدا وتخطى الناس فيه لكونه غايةً في الذكاء”. ويذكر أيضا أن الفقيه الشافعي الواعظ عبد الرحيم ابن الموفق الزين الحموي (ت 848هـ) عقد “مجلس الوعظ فبرع وراج أمره فيه وصار له صيت وجلالة وأثْرَى”.

وهذا الفقيه الشافعي الواعظ شهاب الدين ابن عبِّية المقدسي (ت 905هـ) يقول السخاوي إنه “أقام بالشام يسترزق من الوعظ”، وهو الذي وصفه نجم الدين الغزي (ت 1061هـ) -في ‘النجوم السائرة‘- بأنه “شيخ العالَم الواعظُ المذكور”!! وقد تقدم معنا خبر أبي الهثيم المدني وأن مقامه بمصر كان للاسترزاق بالوعظ!!

وقد يطلب الواعظ المال لمساعديه في تنظيم مجلس الوعظ؛ فالذهبي يقول -في ’تاريخ الإسلام’- إن الواعظ أبا بكر ابن عبد الجبار السمعاني (ت 510هـ) “طلب مرة للذين يقرؤون في مجلسه، فجاءه لهم ألف دينار من الحاضرين”.

وفي ’مرآة الزمان‘ لسبط ابن الجوزي؛ أن الواعظ عبد الرحمن بن مروان التَّنوخي المَعَرِّي (ت 559هـ) كان “شحّاذًا نتّاشًا حَوَّاشًا، قلما يخلو يوما شَرَكُه من صيد، حتى لو رآه الحريري (= صاحب ‘المقامات‘) لم يذكر أبا زيد [السروجي]”!! وكان هذا الواعظ في بداية مساره الوعظي “ينشد في صباه في الأسواق ويمشي على الدَّكاكين، وكان في صوته شجًى…، ورُزِق قَبولًا واكتسب من الوعظ مالًا”.

هؤلاء العلماء حضر مجالسهم مئات الالوف من الناس؟؟

احتساب ورقابة
تقدم معنا أن بعض الوعاظ اتخذ مهنة الوعظ سبيلا لجمع المال، ولن نستغرب إذن أن يكون بين الوعاظ فسقة يقولون ما لا يفعلون، أو مبتدعون يجعلون من المحْدَثات عبادات. وقد لاحظ ذلك ابن الجوزي نفسه فدعا -في كتابه ‘صيد الخاطر‘- إلى التصدي له بقوله: “تأملت أشياء تجري في مجالس الوعظ يعتقدها العوام وجهال العلماء قُرْبة، وهي منكرٌ وبُعدٌ [عن الشرع]؛ وذاك أن المقرئ يطرب ويخرج الألحان إلى الغناء، والواعظ ينشد بتطريب أشعار المجنون وليلى، فيصفق هذا! ويحرق ثوبَه هذا! ويعتقدان أن ذلك قربة! ومعلوم أن هذه الألحان كالموسيقى توجب طربا للنفوس؛ فالتعرض بما يوجب الفساد غلط عظيم، وينبغي الاحتساب على الوعاظ في هذا”.

وقد استدعى هذا التحولُ أن يُبوَّب في كُتب وظيفة “الحِسبة” للاحتساب على الوعاظ، للأخذ على أيديهم وإلزامهم بسلوك جادة الطريق التزكوي الصحيح. ومن نماذج ذلك ما يورده الحافظ ابن حجر -في ’إنباء الغُمْر’- من أن المحتسب نجم الدين الطُّنْبُذِي (ت بعد 794هـ) اتخذ في عام 790هـ “مِن فقراء الفقهاء مَن يعلّم أصحابَ الدكاكين من العامة الفاتحة وفرائض الصلاة، ونهى قرّاء المواعيد والوعاظ عن التهتك وأمرهم أن يبدلوه بالصلاة والسلام على النبي (ص)”.

وقد وُصف بعض الوعاظ بالمجون مثل مفتي القدس عبد المؤمن بن عمر الرهاوي الشافعي (ت 845هـ) الذي يقول العُلَيْمي الحنبلي (ت 928هـ) -في ‘الأنس الجليل‘- إنه كان “خيِّرا عالما فاضلا مفتيا واعظا متفننا، يعظ بلطافة ومجون وجد وهزل”. وجاء في ’الوافي بالوفيات’ للصفدي أن الواعظ محمد بن عبد الله الظريف (ت 576هـ) كان “يُرمَى بأشياء منها شرب الخمر وشَرْي الجواري المغنيات وسماع الملاهي المحرمة، وأخرِج عن بغداد مرارا لأجل ذلك”؛ كما رُمي بمثل ذلك الواعظ المظفر ابن أردشير المتقدم ذكره.

وفي مجال رمْي مؤرخين لوعّاظٍ معينين بالمجون لا يمكن أن نغفل أن للمعاصرة أحكامها التي لا تخلو من التحامل والتنافس؛ لكن تبويب كتب “الحسبة” على الاحتساب على الوعاظ ومجالسهم يدل على ما كان يقع فيها أحيانا من مخالفات شرعية، ولذا نجد أن ابن الأخوة (ت 729هـ) -وهو من العلماء الذين انخرطوا في الحسبة مدارسةً وممارسةً- خصص الباب الثامن والأربعين من كتابه ‘معالم القربة في طلب الحسبة’ للحديث عن الاحتساب على الوعاظ، وبيان شروط من يحق له الوعظ.

وقد مهد ابن الأخوة حديثَه ذلك بخلاصة لمسيرة رسالة الوعظ وسلوك الوعاظ تبين البون الشاسع بين ما كان وما وهو كائن في زمنه؛ فلنسمعه يقول: “كان العصر الأول لا يصعد فيهم المنبرَ إلا أحدُ رجلين: خطيب في جامع يوم الجمعة أو يوم العيد، أو رجل عظيم الشأن يصعد المنبر يعظ الناس ويذكّرهم الآخرة، وينذرهم ويحذرهم ويخوفهم ويحثهم على العمل الصالح، وكان للناس بذلك نفع عظيم. وفي زماننا هذا لا يُطلب الواعظ إلا لتمام شهر ميت أو لعقد نكاح أو لاجتماع هذيان، ولا يجتمع الناس عنده لسماع موعظة ولا لفائدة، وإنما صار ذلك من نوع الفرح واللعب والاجتماع، ويجري في المجلس أمور.. لا يليق ذكرها، وهذا من البدع المضلة”.

وقبل ابن الأخوة؛ ألّف المحتسب الشيزري (ت 590هـ) كتابه ’نهاية الرتبة الظريفة في طلب الحسبة الشريفة’، وقال فيه إن على المحتسب أن يتفقد “مجالس الوعاظ، فلا يدع الرجال يختلطون بالنساء ويجعل بينهم ستارة، فإذا انفضّ المجلس خرج الرجال وذهبوا في طريق، ثم تخرج النساء ويذهبن في طريق آخر؛ فمن وقف من الشباب في طريقهن لغير حاجة عزره”.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0