in

هكذا كانت الايام الاخيرة قبل سقوط الاندلس؟

لقد أدى التناحر على السلطة إلى ضعف المسلمين وانكسار شوكتهم أمام الصليبيين في الأندلس، ولقد كان هم الحكام في الأيام الأخيرة هو أن يحتفظوا بقصورهم وثرواتهم، ولم يكن أمر الجهاد والدفاع عن حوزة الإسلام يعنيهم من قريب ولا من بعيد، إلا أنه ومع ذلك فقد كان هناك بعض الأبطال الذين دافعوا وجاهدوا في سبيل الله حتى الرمق الأخير، فمن هو ذلك البطل المسلم الذي كان آخر المدافعين عن غرناطة؟ وكيف كانت الأيام الأخيرة قبل سقوط المعقل الأخير بالأندلس؟

هكذا كانت الايام الاخيرة قبل سقوط الاندلس؟

سقوط الأندلس وضياعها واحد من أكثر الأحداث إيلاما في تاريخ المسلمين، ولن أحدثكم اليوم عن أسبابه وبوادره الأولى، بل سأكتفي بالوقوف على شخصية يكاد يكون ذكرها مغمورا في التاريخ، شحصية حاولت بكل ما أوتيت من قوة أن ترد كيد الصليبيين، وأن تدافع عن غرناطة، وقبل ذلك دعونا نلق نظرة على الأوضاع في الأندلس في أيامها الأخيرة من خلال الحديث عن بني الأحمر.

بنو الأحمر.. آخر ملوك غرناطة:

بنو نصر، أو بنو الأحمر، أسرة حكمت غرناطة في أواخر العصر الإسلامي بالأندلسن، بل إنها آخر أسرة إسلامية حكمت في الأندلس، ودام ملكها في الفترة ما بين 1232م و 1492م. أول ملوكهم هو محمد بن نصر بن الأحمر، حيث أعلن نفسه سنة 1232م سلطانا في أرجونة، واستولى بعدها على العديد من المناطق والمدن في جنوب الأندلس، وتحديدا في غرناطة ومالقة عام 1238م. واستطاع هو وابنه من بعده محمد الثاني (ت 1302م) أن يدعما أركان دولتهم، وذلك عن طريق اعترافهم ضمنيا بسيادة مملكة قشتالة عليهم.

ولقد استطاع بنو الأحمر بدهائهم أن يحافضوا على حالة من التوازن في سياستهم الخارجية، وذلك ليجتنبوا المواجهة مع المرينيين حكام المغرب من جهة، والقشتاليين حكام إسبانيا من جهة أخرى.

ج: من هو ذلك البطل المسلم الذي كان آخر المدافعين عن غرناطة؟ وكيف كانت الأيام الأخيرة قبل سقوط المعقل الأخير بالأندلس؟

ولقد بلغت الدولة في مرحلة من المراحل أوج الرقي والازدهار، ولكنها ما فتئت تضعف وتتقهقر، ولك بسبب التنازع على السلطة، واستعانة بعض الطامحين إلى السلطة بالأعداء الصليبيين على إخوانهم المسلمين.

أبو عبد الله الصغير يستعد لتوقيع الاستسلام:

إنها غرناطة في عام 896هـ – 1491م، آخر معقل للمسلمين بالأندلس، ذلك الأندلس الذي لم يبق منه إلا هذه البقعة الصغيرة المطلة على البحر الأبيض المتوسط، هذه الجنة الصغيرة التي اجتثت من ذلك الفردوس الفسيح، تعيش اليوم آخر لحظاتها، فقد أطبق النصارى عليها الخناق، وحاصروها بحراً وبراً، ورابطت السفن الإسبانية في مضيق جبل طارق، وعلى مقربة من الثغور الجنوبية، وهذا لم يكن أمرا مفاجئا؛ فهي كانت تعلم بقدوم هذه اللحظة منذ أن بدأت أخواتها في التساقط واحدة تلو الأخرى في يد الصليبين.

لكن ما حز في نفسها أن أبا عبد الله الصغير، آخر ملوك بني الأحمر، سيسلم مفتاح المدينة للملكة إزبيلا والملك فرناندو الخامس، على أن يسمحوا له ولمن أراد الخروج وركوب البحر إلى المغرب بالذهاب، دون أن يتعرضوا له، ومن بقي في المدينة فهو آمن!

إن هذه الاتفاقية هي أخسر من صفقة أبي غبشان، كما يقال، وماذا ينتظر من الصغير أن يفعل شيئا، فمن باع إخوته وتآمر مع الصليبين لا ينتظر منه أقل من هذا! ولا من هذه الحشود التي وفدت عليها، والذين تجاوز عددهم المليون نسمة بسبب فرارهم من مدنهم التي غزاها الصليبيون، فغرناطة تعلم أن من فرط في أرضه هانت عليه أرض غيره؛ ولكن غرناطة كانت تنتظر من أبنائها الذين آوتهم طوال هذه السنوات، فأكلوا من ترابها وشربوا من مائها واحتموا بأسوارها، أن يغيروا مجرى الأحداث، وإن كانت النهاية فلتكن شريفة! يا غرناطة أين فرسانك وأين سيوفهم!

لم تكن غرناطة يوما عقيمة عن ولادة بطل، بطل يحمل هم هذه الأمة المعزولة عن الأمم، والمقهورة من الأمم الأخرى، بطل يحيي النفوس ويوقظ الهمم، فما خاب أملها، وكان ذلك اليوم، يوم ولادته، في قصر الحمراء واسطة عقد قصور غرناطة، وبعد أن احتشد الناس ليسمعوا ملخص المعاهدة التي أبرمها عبد الله الصغير من ملوك بني الأحمر مع إيزابيلا.

ج: من هو ذلك البطل المسلم الذي كان آخر المدافعين عن غرناطة؟ وكيف كانت الأيام الأخيرة قبل سقوط المعقل الأخير بالأندلس؟

لما أنها الصغير مقالته التي كان قد علم فحواها من همس الألسن، هدأ الكون، وعم صمت رهيب بين الحضور، ولَم يكن هذا الهدوء إلا ذلك الهدوء الذي يكون يسبق العاصفة.

خرج من بين الصفوف ووقف أمام الملأ وقال:

”ليعلم ملك النصارى أن العربى قد ولد للجواد والرمح، فإذا طمح إلى سيوفنا فليكسبها غالية، أما أنا فخير لي قبر تحت أنقاض غرناطة، في المكان الذي أموت مدافعاً عنه، من أفخم قصور نغنمها بالخضوع لأعداء الدين“.

من هو هذا البطل يا ترى؟

إنه ذلك الغساني من عرب غساسنة الشام، الأمير بن الأمراء العرب، موسى بن أبي الغسان، الفارس الجسور والبطل المغوار والشهيد الفدائي… إنه البطل الذي انتفض لدينه وأرضه وعرضه، فارس غرناطة الأخير، وسيفها الذي لم يخنع…

نشأ موسى بن أبي الغسان في بيت ميسور وجاه موفور، فهو من أبناء وجوه القوم، وصفوتهم في غرناطة. وكان ينتمي إلى أسرة عربية غرناطية عريقة النسب تتصل ببيت الملك، وتضرب بجذورها إلى قبيلة غسان، والغساسنة قبيلة عربية يمانية عريقة، حكمت بلاد الشام قبل الإسلام. وكانت أسرة موسى واحدة من الأسر العربية القديمة التي عرفت بفروسيتها وغيرتها على دينها ووفائها لعرضها وأرضها.

وتميزت أسرة موسى أيضا بإسهامها في الحياة العامة، وبدورها الكبير في تشييد نهضة غرناطة وصرحها الحضاري، وكان لنشأة موسى في هذه الأسرة العربية المحافظة على تقاليد الفروسية العربية القديمة، تأثيره وبصمته على شخصيته. ولم يذكر أحد أن موسى بن أبي الغسان كان عالما أو أديبا، وإنما ذكروا أنه كان فارسا جسورا، وبطلا مغوارا، ومبارزا جيدا.

وعلى الرغم من أن موسى قد نشأ في فترة الانهيار العظيم للحضارة العربية والإسلامية في الاندلس، وبينما كانت غرناطة تلفظ أنفاسها الأخيرة وتؤذن بنهاية الوجود الإسلامي في الأندلس، إلا أنها أدركت شيئا من بقايا قرون الفخار وأمجاد الأمس الغابر، ولا سيما فيما يتعلق بالنشاط العلمي والأدبي، وكانت غرناطة بتلك الحقبة تزخر بالعلماء .

مواجهة موسى بن أبي الغسان للصليبيين:

تذكر الروايات أنه قاد حملات على الصليبين كلفتهم خسائر وجعلتهم يتراجعون مرات كثيرة عن اجتياح غرناطة، فاكتفوا بمحاصرتها.

ولما اشتد الحصار مع قلة المؤن وضعف التجهيزات العسكرية، بدأ حماس من كانوا مع موسى ينهار، ومع ذلك لم يستسلم، فكان يخرج لملاقات الجيوش الصليبية ومعه بضعة من الفرسان المخلصين، يقبلون ويدبرون كالليوث يثخنون الجراح ويقطفون الرؤوس، حتى ظن الإسبان أنهم ليسوا من الإنس!

ج: من هو ذلك البطل المسلم الذي كان آخر المدافعين عن غرناطة؟ وكيف كانت الأيام الأخيرة قبل سقوط المعقل الأخير بالأندلس؟

كل هذه التضحيات ستطعن من الظَّهر، فعندما كان الفرسان في الوغى يفدون غرناطة بأرواحهم، كان الأعيان في قصورهم وراء الأسوار يفكرون في الكيفية التي يحافظون بها على أموالهم وقصورهم! فرأوا أن الصمود في حكم المستحيل، والتسليم هو الحل الذي يلوح في الأفق، ولم يتبق من الأمر إلا التوقيع على وثيقة تسليم غرناطة، وذلك ما كان، حيث تم التوقيع على الاستسلام وتسليم آخر معقل للمسليمن بالأندلس في الحادي والعشرين من محرم عام 897هـ الموافق 52 نونبر 1491م.

لما علم المجاهد المغوار موسى بن أبي الغسان بالأمر، حاول أن يثنيهم عن رأيهم، وأعلمهم أن الصليبين لن يوفوا بعهودهم، وأنهم سيغدرون بهم ويرمون بالاتفاقية عرض الحاطئ، ودعاهم إلى أن يموتوا واقفين يحملون سيوفهم ويذوذون عن حياضهم وأعراضهم، فهو خير لهم من الحياة وهم يَرَوْن أعراضهم تنتهك ومدينتهم تُستباح، ولكن طمعهم وحرصهم على أموالهم وعرضهم الدنيوي القليل، جعلهم يصمون الآذان ويعرضوا عن كل ناصح مشفق، وضاعت كلمات الفارس في الفضاء وذهبت صيحاته أدراج الرياح مرة أخرى، ولم يجاوبه إلا الصمت والحزن.

وبدأ التوقيع على وثيقة التسليم، فراح صوته يرتفع في غضب مدويا: لا تخدعوا أنفسكم، ولا تظنوا أن النصارى سيوفون بوعودهم، ولا تركنوا إلى ما يظهره ملكهم من نخوة وشهامة، فليس ثمة في واقع الأمر إلا المكر والخديعة، إن الموت أقل ما نخشاه.

أيها الناس، إنكم إن توقعوا وتصادقوا على هذه الوثيقة فلن تروا من هؤلاء النصارى إلا التقتيل والتنكيل، إلا السجون والتعذيب، إلا هتك الأعراض وانتهاك الحرمات، إلا تدنيس المساجد وتنكيس الصوامع.

أيها الناس، إنكم إن تسلموا وتخضعوا لعدوكم فلن يتردد صوت الأذان في هاته الربوع من جديد، ولن يكون للقرآن في هاته البلاد قارئ ولا حافظ.

أياها الناس إن شئتم أن تسلموا وتخضعوا وتهنوا فافعلوا، أما أنا والله فلن أر شيئا من هذا الذل والصغار، ولن أقبل بالمهانة، وسأموت موت الشهيد.

ثم غادر المجلس يائساً حزيناً، وذهب إلى بيته فلبس لباس الحرب وامتطى صهوة جواده، واخترق شوارع غرناطة ولم يره أحد بعد ذلك.

عندما أقف على مثل هذه الأحداث في تاريخ المسلمين القريب أو البعيد، وأرى أن ذات الخطأ يتكرر، وأننا ننخدع بالأعداء في كل مرة، على الرغم من كل الدلائل التي تشير إلى أنهم لا يرقبوا فينا إلا ولا ذمة، ولن يحترموا عهدا ولا ميثاق، لا أجد إلا أن أتمثل قول الشاعر تميم البرغوثي في قصيدته ”الحرب والهوى“:

وإن كان هذا صلحنا وسلامنا   فأخزى إلهي بعدها من يصالح

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0