in

كيف تحول المماليك من عبيد الى حكام الدولة الاسلامية؟

كانت مصر تحت حكم الأيوبيين ، وبعد وفاة الملك الصالح نجم الدين أيوب ، تولى ابنه توران شاه عرش البلاد ، فكيف وصل المماليك إلى حكم مصر؟ وكيف تصدوا لأيوبيي الشام؟ وكيف صعد سيف الدين قطز على عرش مصر وهو أحد الأمراء الخوارزميين؟

كيف تحول المماليك من عبيد الى حكام الدولة الاسلامية؟

بعد انتصار المماليك على الصليبيين فى موقعة المنصورة ، ارتفعت أسهمهم لدى أهل مصر ، وفكروا ولأول مرة فى تاريخهم تولى مقاليد البلاد ، تعالوا لنتناول بشيء من التفصيل عما أحرزه المماليك من نصر على الصليبيين فى موقعة المنصورة ، وفترة حكم شجر الدر وعز الدين أيبك لمصر ، وكيفية وصول سيف الدين قطز إلى عرش مصر ، وهو الأمير الخوارزمي الذى وُلد فى بلاد ما وراء النهر.

* موقعة المنصورة وأسر ملك فرنسا:

ج: كيف وصل المماليك إلى حكم مصر؟

بعد أن استعد المماليك لصد زحف الصليبيين ، دارت بين الجيشين موقعة المنصورة ، وقد انتصر المسلمون فيها انتصارًا باهرًا ، ثم حدث هجوم آخر على جيش لويس التاسع ، ولكن لويس قد تمكن من صد الهجوم بعد جهد مرير ، وفى تلك الأثناء وصل توران شاه وتولى مقاليد البلاد.

بعد خطة بارعة وضعها توران شاه وقادة المماليك استطاع الجيش المصري اللقاء بفلول الصليبيين ، ودارت معركة هائلة تحطم فيها جيش الصليبيين تمامًا ، بل وتم أسر الملك لويس التاسع مكبلاً بالأغلال ، ولم يتم إطلاق سراحه إلا بعد تنفيذه لشروط قاسية ، فخرج وسافر إلى عكا ، وكانت إمارة صليبية.

* مقتل توران شاه:

ج: كيف وصل المماليك إلى حكم مصر؟

كان توران شاه شخصية لاهية ، وقد اتصف بسوء الخلق ، والجهل بشئون الحكم ، فبدأ يتنكر لزوجة أبيه (شجر الدر) ، بل وهددها بشدة ، حتى دخلها منه خوف شديد ، كما بدأ يتنكر لأمراء المماليك ، وبدا واضحًا أنه سيقوم بعمليات تغيير واسعة النطاق فى السلطة ، ولعل عمليات التغيير تلك مصحوبة بالعنف والدماء.

خافت شجر الدر على نفسها ، وأسرت بذلك إلى المماليك ، وقد كانوا يكنون لها كل الإحترام ، وكان فى نفوسهم نفس ما كان فى نفسها ، فاجتمع الرأي على سرعة التخلص من توران شاه قبل أن يتخلص هو منهم.

كان عند المماليك تساهل كبير فى الدماء ، فكانوا يقتلون بالشك ، وقد يكون ذلك راجعًا إلى التربية العسكرية الجافة التى نشأوا عليها ، ولكن القتل بالشك ليس من الإسلام فى شيء.

تم قتل توران شاه بعد سبعين يومًا فقط من قدومه مصر ، وكأنه قطع كل هذه المسافات لكي يدفن ، لا لكي يحكم ، وهكذا كان مقتل توران شاه انتهاء لحكم الأيوبيين فى مصر ، وبذلك أغلقت صفحة من مهمة من صفحات التاريخ الإسلامي.

* شجر الدر حاكمة لمصر:

ج: كيف وصل المماليك إلى حكم مصر؟

بمقتل توران شاه ، حدث فراغ سياسي كبير فى مصر ، فلا يمكن للمماليك أن يسلموا مقاليد الحكم لأيوبيي الشام ؛ لأنهم حتمًا سيقتلونهم للثأر لتوران شاه ، كما أن قوة مصر الفعلية للمماليك ، الأمر الذى جعل المماليك – ولأول مرة فى تاريخ مصر – يفكرون فى القيام بمقاليد الأمور ، إلا أن تقبل حكمهم سيكون صعبًا فى ذهن الأهالى ، لذلك فكروا فى تعيين حاكم مؤقت.

ذلك كان ما يدور فى أذهان المماليك ، أما شجر الدر ، فكانت امرأة قوية جدًا وشجاعة وجريئة ، وتتمتع بحكمة شديدة ، مما دفعها إلى التفكير فى الصعود إلى عرش مصر ، وفى ذات الوقت وجد المماليك فى شجر الدر ذلك الحاكم المؤقت الذى يريدونه ، فهي زوجة الملك الصالح نجم الدين أيوب الذى يكن الشعب له كامل الاحترام والوفاء.

وبذلك توافقت رغبات المماليك مع رغبة شجر الدر ، وقرروا إعلان شجر الدر حاكمة لمصر بعد مقتل توران شاه بأيام.

* عز الدين أيبك:

ج: كيف وصل المماليك إلى حكم مصر؟

تفجرت ثورات الغضب فى كل مكان ، وعم رفض تلك الفكرة فى العالم الإسلامي ، و راحت شجر الدر تنسب نفسها للملك الصالح وابنه خليل والخليفة العباسي ، إلا أن الغضب لم يتوقف ، وخاصة أن البلاد فى أزمة خطيرة ، فالحملات الصليبية لا تتوقف ، كما أن أنهار المسلمين التى تنبع من زحف المغول ما زالت متدفقة ، وهكذا لم تنعم الملكة بيوم واحد ، ومن هنا قررت شجر الدر أن تتنازل عن الحكم لرجل تحكم عن طريقه ومن خلاله.

اختارت شجر الدر رجلاً من المماليك اشتهر بالعزوف عن الصراع ، والبعد عن الخلافات ، فوجدت فى ذلك الرجل ضالتها ، وكان هذا الرجل هو ( عز الدين أيبك التركماني ) ، ولم تختر شجر الدر رجلاً من المماليك الأقوياء من أمثال فارس الدين أقطاي ، أو ركن الدين بيبرس ، وذلك لتتمكن من الحكم بلا منازع.

وبالفعل تزوجت شجر الدر من عز الدين أيبك ، وتنازلت له عن الحكم ، فاستقر الوضع نسبيًا ، وبدأت شجر الدر تحكم من وراء الستار كما أرادت ، ولكن ذكاءها خانها فى اختيار ذلك الرجل ، إذ لم يكن عز الدين أيبك بالضعف الذى تخيلته شجر الدر ، وفى أول أمره ، لم يصطدم بشجر الدر أو المماليك ، بل بدأ بتقوية شأنه ، فاشترى المماليك الخاصة به ، وأعد قوة عسكرية تدين له بالولاء ، وقد وضع على تلك القوة أقوى رجاله ، وأعظم فرسانه ، وهو سيف الدين قطز.

ومرت الأيام ، وانتصر عز الدين أيبك على أمراء الشام ، واعترف الخليفة العباسي بزعامة عز الدين أيبك على مصر ، فكان ذلك رفعًا لأسهمه لدى الشعب المصري ، ومنحه صفة شرعية.

* بين أيبك وأقطاي:

ج: كيف وصل المماليك إلى حكم مصر؟

كل تلك الأحداث مكنت عز الدين أيبك من التحكم فى مقاليد البلاد ، ومن ثم زاد نفور زعماء المماليك منه ، وخاصة فارس الدين أقطاي ، الذى كان يبادله كراهية معلنة ، الأمر الذى جعل عز الدين أيبك يفكر جديًا فى التخلص من أقطاي ؛ لضمان الأمان لنفسه ، وإثبات قوته للجميع.

انتظر أيبك الفرصة المناسبة ، إلى أن علم أن أقطاي يتجهز للزواج من إحدى الأميرات الأيوبية ، فأدرك أن أقطاي يحاول أن يجعل له انتماء للأسرة الأيوبية ، وإذا كانت شجر الدر حكمت مصر لكونها زوجة لملك أيوبي ، فلماذ لا يحكم أقطاي مصر لكون زوجًا لأميرة أيوبية ، فضلا عن قوته وبأسه وقيادته للجيش فى موقعة المنصورة؟

هنا شعر أيبك بالخطر الشديد ، فأصر أوامره بقتل فارس الدين أقطاي ، وبالفعل تم قتله على يد مماليك أيبك ، وبقتله خلت الساحة تمامًا لأيبك ، واضمحل دور شجر الدر ، وخاصة بعد هروب المماليك البحرية إلى الشام ، إذ كان من الممكن قتلهم بعد مقتل قائدهم.

* نهاية أيبك وشجر الدر:

ج: كيف وصل المماليك إلى حكم مصر؟

مرت السنون ، والملك عز الدين أيبك مستقر فى عرشه ، واختفى دور شجر الدر ، وقد كان الحقد يغلى فى قلبها ، وقد كان أيبك يبادلها نفس الشعور ، وتزايدت أطماع أيبك فى الشام ، فأراد القيام بحلف مع أحد أمراء المنطقة ، وأراد توثيق الحلف برباط غليظ هو الزواج.

وعلمت شجر الدر بهذا الأمر ، فاشتعلت الغيرة فى قلبها ، وركبها الغم والهم ، وأعمتها الكراهية عن حسن تقدير الأمور ، وهي المشهورة بالحكمة ، فلم تقدر اختفاء المماليك البحرية ، وصعود نجم المماليك المعزية ، وقررت بعاطفة المرأة الإقدام على خطوة غير مدروسة ، وهي قتل زوجها عز الدين أيبك.

علم الجميع بجريمة القتل ، فأسرع سيف الدين قطز ، ومعه فرقة من المماليك المعزية ، وألقيا القبض على شجر الدر ، فطلبت زوجة أيبك الأولى ترك الأمور لها فى التصرف مع شجر الدر ، وكانت النهاية المأساوية المشهورة ، وهي قتل الملكة سابقًا ”ضربًا بالقباقيب“.

وقد تولى بعد ذلك حكم مصر نور الدين علي بن عز الدين أيبك ، وقد كان صبيًا لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره ، فتولى الوصاية عليه القائد العظيم والفارس الكبير ”سيف الدين قطز“.

* قطز على عرش مصر:

ج: كيف وصل المماليك إلى حكم مصر؟

كم هي صغيرة تلك الدنيا!! ، فقطز هو محمود بن ممدود ، وهو ابن أخت السلطان جلال الدين الخوارزمي ، الذى قاوم المغول طوال حياته ، وانتصر عليهم انتصارات كبيرة ، وقد تم قتل الكثير من أسرته خلال معركته مع المغول على حافة نهر السند ، وكان محمود أحد الذين استرقهم المغول ، وقد أطلقوا عليه لقب قطز أي الكلب الشرس ، ثم اشتراه أحد الأيوبيين ، وترقى فى المناصب حتى صار أكبر قواد عز الدين أيبك كما رأينا.

نشأ قطز على التربية الدينية القويمة – كبقية المماليك – ، وتشبع بالحمية الإسلامية ، وتدرب على أساليب القتال ، فنشأ شابًا أبيًا محبًا للدين ، فكانت طفولته طفولة الأمراء ، إضافة إلى مقتل جميع أفراد أسرته على أيدى المغول ، وهذا بالطبع جعله يفقه جيدًا قضية الزحف المغولي ، وليس من رأى كمن سمع.

وفى ضوء الخطر المغولي الكبير ، والمشاكل الداخلية الطاحنة ، لم يجد قطز أي معنى لبقاء السلطان الطفل على عرش مصر ، فعزله عن العرش ، وتولى هو مقاليد البلاد ، وقد حدث ذلك إبان سقوط حلب بأيدى المغول ببضعة أيام ، وصار سليل المقاومين لزحف المغول يعد العدة لتبديد ذلك الزحف الجارف.

——————————–

* المصادر والمراجع:

(1) الكامل فى التاريخ ، ابن الأثير

(2) المنتظم فى تاريخ الملوك والأمم ، ابن الجوزي

(3) البداية والنهاية ، ابن كثير

(4) السلوك لمعرفة دول الملوك ، المقريزي

(5) بدائع الزهور فى وقائع الدهور ، ابن إياس

(6) التاريخ الإسلامي (ج7: العهد المملوكي) ، محمود شاكر

(7) موسوعة التاريخ الإسلامي (ج5: تاريخ مصر والشام الإسلامي) ، أحمد شلبي

(8) دولة المماليك فى مصر والشام ، محمد سهيل طقوش

(9) موسوعة سفير فى التاريخ الإسلامي (ج5: العصر المملوكي) ، مفيد الزيدي

(10) موجز التاريخ الإسلامي ، أحمد العسيري

(11) التاريخ الإسلامي الوجيز ، محمد سهيل طقوش

(12) النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة ، ابن تغري بردي

(13) درة الأسلاك فى دولة الأتراك ، ابن حبيب

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0