in

لماذا بنى الامير المسلم شاه جهان ضريح تاج محل ؟

ضريح تاج محل … هو بناء أقرب في الناحية الشكلية من المساجد لكنه كان ذو تصميم فريد من نوعه ، والدافع من بنائه كان يغلبه الهوى والعشق والرغبة في تخليد الذكرى حتى لا يُنسى من واراهم التراب ودفنوا تحت الثرى.

لماذا بنى الامير المسلم شاه جهان ضريح تاج محل ؟

 لضريح تاج محل ذلك المبنى العجيب والفريد في تصميمه ونقوشه وزخارفه قصة جميلة ، وإن كانت ظاهرها الحب والرومانسية والوفاء إلا أن باطنها مليء بالحزن والرثاء لزوجة وحبيبة لإمبراطور عظيم اسمه “ شاه جهان “ بناه تخليداً لزوجته “ ممتاز محل“… هيا بنا لنتعرف على قصة بناء ضريح “ تاج محل“.

ضريح تاج محل

في عام 1608 وفي أحد الأسواق الملكية المقامة حول القصر ، لمح الأمير الشاب ”شهاب الدين محمد بن شاه جهان “ ـ وهو الاسم الذي اشتهر به لاحقاً ـ فتاة بالغة الجمال من أصلٍ فارسي نبيل  وكانت في الحقيقة هي ابنة أخ لأحدى زوجات أبيه وكانت تسمى “ أرجموند  بانو  بيكم “ ، وقع الأمير في هواها منذ أن رآها وكان يرغب في الزواج منها ولكن بسبب التقاليد الملكية والمبنية على أساس التقارب بين رجال الممالك ولاعتبارات سياسية ، اضطر الأمير للزواج من أخرى كانت تدعى “ قندهار بيجوم “ ثم ثانية إلي أن تزوج الأمير من محبوبته عقب هذا اللقاء بأربع سنوات ، ليعيش معها قصة حب سعيدة ، وكانت ملهمة له وكان متيماً بحبها وهي المفضلة والمقربة من قلبه فهي الزوجة والملكة والخليلة هي كل شيء في حياته، وأنجبت له العديد من الأولاد والبنات وأطلق عليها اسم “ ممتاز محل “ وتعني  زينة القصر أو درة القصر،  ولم تكن ”ممتاز محل“ شديدة الجمال فحسب بل كانت فطنة وعلى قدرٍ عالٍ من الذكاء والحكمة وكانت نعم المعين لزوجها الشاب ، وكانت تُعرف بطيبة قلبها وعطفها على الفقراء والأيتام مما جعلها محبوبة من الجميع .

ثم تقلد الأمير الحكم في سنة 1628 م ليصبح بعدها ”شاه جهان“ الإمبراطور الخامس في دولة المغول التي حكمت الهند ، وكان يواجه في بداية حكمه تمرد وثورة في أقليم “ الدكن“ ، وذهب لمواجهتها  وكان ذلك عام 1631 ، أي بعد ثلاث سنوات فقط على بدء حكمه ، ولم تكن زوجته الحامل  لتتركه يذهب وحيداً فكانت بجواره لتشد من أذره وتقوي عزيمته وهو كان لا يرغب في أن تظل بعيدة عنه، وأثناء رحلتهما أنجبت طفلهما الرابع عشر ”جوهرا بيجام “ ، وكانت الأمور تسير على ما يرام إلا أنه اتضح فيما بعد أن الأميرة تحتضر ، ولم يكد يبزغ نور الصباح إلا وكانت الأميرة قد فارقت الحياة ليبكيها زوجها بشدة فترة استمرت لثمانية أيام متواصلة وحمل نعشها في موكب مهيب وعاد به إلي “ أجرا“ مقر حكمه حيث دفنت هناك .

وظل مكلوماً عليها وفقد طعم الحياة ولم يجد ما يواسيه عنها سوى أن يبني لها ضريحاً عملاقاً ليكون تحفة معمارية خلابة لا مثيل لها على وجه الأرض ، وبالفعل بدأ في جلب المهندسين والمعماريين من الدولة العثمانية ليضعوا مخططات الضريح الذي لم يكن ضريحاً بل تحفة فنية لمجموعة مبانٍ متجاورة يتوسطها الضريح  ، فُبني ضريح ”تاج محل “ جنوب نهر ”يامونا“ وهناك رواية تقول أن النهر قد تم شقه وسط المجمع ليسري بينها ، وبُني الضريح على مصطبة مرتفعة عن الأرض وكانت تزين جوانبه أربعة مآذن بلغ ارتفاع الواحدة منها 37 متراً ، وبنيت بعيدة قليلاً عن الضريح خوفاً من انهيارها في يوم ما فتسقط بعيدة عن الضريح ، وبُني الضريح من الطوب الأحمر الرملي وغُطيت جميع واجهاته بالرخام الأبيض المرمري القادم من جبل “ ماكراتا“ في أقليم ”راجستان“ وكان يبعد أكثر من 500 كيلو متر عن موقع البناء في أجرا ، ولذا استخدم أكثر من ألف فيل وعدد لا يحصى من الثيران لجر ونقل تلك الكتل الحجرية الضخمة لتقطع وتصقل وتوضع على واجهة الضريح وتزينه من الداخل والخارج ، واستقطب الإمبراطور “ شاه جهان“ أفضل الحرفيين المهرة من مختلف بقاع العالم الإسلامي من بغداد والشام وسمرقند وشيراز وبلاط السلاطين العثمانية ، وأكثر من 20 ألف عامل لإنجاز تلك التحفة المعمارية الفريدة ، وأهم ما يميز تاج محل هي تلك القبة البصلية الشكل التي تقف على مبنى رباعي الشكل ويبلغ ارتفاعها نحو 45 متراً،  وكانت من المرمر الأبيض البلوري وكانت زخرفتها شديدة الإتقان وأسفلها مباشرة يقع ضريح الأميرة الذي تم نقل رفاتها في عام 1637 ،وهو محاط بكتابات وآيات قرآنية بالغة الدقة والجمال بالإضافة لأسماء الله الحسنى وقصيدة مدح في حق الأميرة , ورصعت جوانبه بالأحجار الكريمة من اليشب والعقيق واللازورد والفيروز والكريستال  وغيرها .

مسجد تاج محل

واستغرق البناء ما يقارب من العشرين عاماً للانتهاء منه وكان ذلك عام 1648 ، وكان ملحق به حديقة ضخمة وإلي جواره يقع المسجد وقصر الضيافة  واستغرق بناءهما خمس سنوات لينتهي تماماً في عام 1653، وسمي “ تاج محل “ ويعني قصر التاج أو قصر الضريح ، ليشهد على عظمة وجمال التراث الإسلامي البديع الذي جمع بين مختلف الفنون من الهندي والمغولي والإسلامي والعثماني فهو تحفة فنية قل أن تجد  مثيلاً لها، وكان الملك “ شاه جهان“ قد عين ابنه “ أورنكزيب “ نائباً له ، وعندما أحس الملك بالمرض جمع أبناءه الأربعة للتشاور معهم فيمن يخلفه إلا أنه وبسبب بعض الخلافات تمكن ”أورنكزيب“ من الوصول لسدة الحكم بعد أن خلع والده ووضعه تحت الإقامة الجبرية ، التي فضل والده أن تكون بجوار ضريح زوجته المحبوبة “ ممتاز محل“ ، إذ ظل لسنوات عدة ينظر لها من نافذة القصر ويراقبها ويتمنى عودتها إلي أن وافته المنية عام 1666 ليدفن بجوار زوجته في تابوت من الرخام مشابه تماماً لتابوت زوجته وإن كان أكبر قليلاً في الحجم .

تابوت تاج محل

 تلك هي قصة بناء “ ضريح تاج محل “ المعلم الأثري الشهير في الهند ، وأحد عجائب الدنيا السبع الحديثة والذي ضم للتراث العالمي عام 1983 ، ولكن لا تظن أن ”ضريح تاج محل “ هو الوحيد في العالم بل هناك عدة نسخ منه في أماكن عدة من بقاع الأرض وبعضها يحمل نفس الاسم مثل :

تاج محل بنجلاديش ….

 تاج محل بنجلاديش

 

ومقبرة البيبي كا أيضاً في الهند

البيبي كا تاج محل

حديقة نافذة العالم في الصين …

حديقة تاج محل

وفندق تاج محل دبي …

 تاج محل دبي

ولكن كل تلك النماذج المقلدة لضريح ”تاج محل “ هي مقلدة في الشكل الخارجي فقط ومصروف عليها ببذخ  لتليق بجمال وسمعة الاسم الذي تحمله ، ولكن يوجد هناك نموذج آخر مصغر لـ “ تاج محل “ وعلى أرض الهند أيضاَ وهو ليس مشابهاً لتاج محل في الشكل فقط بل وفي المضمون أيضاً …“ فيصل حسن قادري “ رجل بسيط يبلغ من العمر 80 عاماً وقد توفيت زوجته في عام 2011 جراء مرض السرطان ، ولم ينجبا أطفالاً طوال رحلة زواجهما التي امتدت لـ 60 عاماً ، وكي لا ينسى أحد زوجته أو ينساه هو شخصياً ، فبنى هذا الضريح المصغر من ماله الخاص تعبيراً عن حبه وإخلاصه لزوجته، إلا أنه وبسبب الأزمة المالية التي يمر بها توقف العمل في هذا المشروع ،  وبالرغم من ضيق حاله كان ولا يزال حتى هذه اللحظة يرفض كل العروض والعطاءات والهبات التي تقدم له لاستكمال مشروعه .

 تاج محل

 تاج محل

 

        وأيضـاً على نفـس طريقة “ تاج محل “ ولكن هذه المرة في مصر ، حيث قام السلطان منصور بن قلاوون بإنشاء ضريح باسم زوجته فاطمة خاتون في مدينة القاهرة ، وهو في الحقيقة ليس ضريحاً فحسب بل ضريح ومدرسة لتعليم القرآن الكريم ، ويذكر أنه حين توفت السيدة فاطمة خاتون بكاها زوجها وحزن كثيراً لفراقها، فبنى هذا الضريح تخليداً لذكراها وعسى أن يكون صدقة جارية على روحها ، وللأسف الشديد  وكغيره من الآثار الإسلامية التي تعود لعصر الدولة الفاطمية يعاني هذا الضريح الأثري  من الاهمال  من قبل المسئولين حيث انتشرت حوله المخلفات وأصبح مهدداً بالانهيار بسبب المياه الجوفية .

خاتون تاج محل

ولا تظن أن “ تاج محل“ هو أول مبنى يبنى في التاريخ تخليداً لامرأة ، فهناك الكثير والكثير منها ، فهناك معبد أبو سمبل الصغير بناه الملك  رمسيس الثاني أعظم ملوك الفراعنة حباً لزوجته الملكة ”نفرتاري“  …

 تاج محل

وحدائق بابل المعلقة التي بناها الملك نبوخذ نصر لزوجته ”إميديا“  حتى تتمتع بالمناظر الخلابة التي كانت تفتقدها في موطنها بلاد الفرس .

 تاج محل

ومما سبق يتضح لنا أن “ ضريح تاج محل “ ليس البناء الوحيد الذي بناه زوج تخليداً لذكرى زوجته أو تعبيراً لها عنه حبه ، ولكن كتب التاريخ  تزخر بالكثير والكثير ومنها أمثلة حية حقيقية مازالت تحيا وتعيش بيننا في عصرنا الحديث…

فـ ”تاج محل“ قصة لا تنتهي …

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0