in

من هم القرامطة..و لماذا هم اخطر دويلة على الاسلام عبر التاريخ؟

منذ فتح مكة عام 8هـ وتتوالى مواسم الحج على بيت الله دون خشية من أحد، وتتوافد قوافل الحجاج من كل حدب وصوب تلبى نداء الله مرددة: ”لبيك اللهم لبيك“، واستمر تأدية تلك الفريضة باستمرار طوال ما يربو على الثلاثة قرون من الزمان حتى أقبل عام 317هـ، فهاجمه القرامطة -قوم لا يرقبون فى مؤمن إلاً ولا ذمة-. فمن هم القرامطة و ما قصة هجوم القرامطة على مكة المكرمة؟

من هم القرامطة..و لماذا هم اخطر دويلة على الاسلام عبر التاريخ؟

فى القرن الرابع الهجري ارتكب قوم يدعون (القرامطة) أبشع جريمة غير مسبوق فى تاريخ الإسلام، حيث هاجموا الكعبة وفعلوا ما تقشعر له الأبدان وتشيب له الولدان، ولمزيد من الفهم والادراك، يجب الرجوع بعض العقود إلى الخلف:

نشأة القرامطة:

بدأ الفارسي عبد الله بن ميمون القداح فى تكوين جماعة حول محمد بن إسماعيل الصادق، وكان واسع العلم بالأديان والمذاهب، فكان يدخل إلى الأنصار كلٌّ بما يناسبه، وتحت غطاء الدعوة للإمام من آل البيت وإعادة الحق لهم، وبدأ ينشر أفكاره.

كانت بداية عبد الله بن ميمون القداح من موطنه بالأهواز، وانضم إليه حسين الأهوازي، ثم انتقلت الدعوة إلى البصرة، على أن والى البصرة انتبه لدعوتهما فهربا منه إلى اللاذقية فى الشام، وهناك بدأ وضع الهيكل للتنظيم ومراتبه وما إلى ذلك، ومن هناك بدأ في إرسال الدعاة إلى أقطار أخرى.

ذهب حسين الأهوازي إلى الكوفة، حيث أن الكوفة على طول تاريخها هواها مع العلويين وآل البيت، وتعرف هناك على رجل خطير .. ذلك هو حمدان بن الأشعث المعروف بـ( قرمط ) لقصر قامته وساقيه المعروف بالإخلاص والموهبة ما جعل حسين الأهوازي يعهد إليه برئاسة الدعوة قبل أن يموت.

استطاع قرمط الإكثار من أتباعه وأنصاره فى اليمن وبلاد البحرين ( وكانت تضم شرق الجزيرة العربية كله )، وبدأ القرامطة فى التسلح، واتخذوا منطقةَ تَجَمُّعٍ لهم قرب الكوفة فنزلها الكثير من الرجال والنساء المستجيبون للدعوة، وكان أول تحرك علني لهم عام 272هـ فى سواد الكوفة، هكذا كانت نشأة القرامطة ومن هنا بدأت قصة فصولها دامية أليمة عاشتها أمتنا الإسلامية أعوامًا عديدة!

ومع تقدم الأيام تتطورت الأفكار مع تطور القوة والتأثير، وظهر من القرامطة الكفر البواح الصريح.

نجم القرامطة فى صعود:

ج: من هم القرامطة؟ وما قصة هجومهم على مكة المكرمة؟

كان ممن استجابوا للقرامطة شخصية خطيرة، رجل يُدعى أبو سعيد الجنابي من قرية جنابة الواقعة على ساحل الخليج، وقد أبدى من المواهب والاستجابة ما جعله زعيمًا على ما حوله من المناطق.

وضع أبو سعيد الجنابي نظامًا حربيًا دقيقا لمشروع دولته استطاع بمقتضاه إعداد جيش قوي من رعاياه، فسيطر على البحرين بسهولة، وأشاع فيها القتل لينشر الخوف ويحكم أمره، ثم هاجم القطيف فأوقع بها مذبحة أخرى، واستمرت إغارات القرامطة في الأنحاء التى سيطروا عليها، وتفاقم أمرهم، حتى جهز الخليفة المعتضد جيشًا لمواجهة القرامطة غير أن الجيش لقي هزيمة قاسية على يد أبي سعيد الجنابي، وأُسِر قائده، وقُتل أمام عيني القائد كل الأسرى، وكان مما زاد في مرارة الهزيمة أن المنسحب من الجيش العباسي اتجهوا نحو البصرة فأغار عليهم بعض الأعراب فسلبوهم ثم قتلوهم.

قرامطة الشام وجيوش الخلافة:

ج: من هم القرامطة؟ وما قصة هجومهم على مكة المكرمة؟

كانت للقرامطة فرق فى الشام، وبدأت فصول قصة جديدة للقرامطة فى أراضى الشام التى ستعانى منهم كثيرًا، فقد كان القرامطة يهاجمون المدينة تلو الأخرى، ويعطون الأمان لأهل المدينة، فما إن تُفتح أبواب المدينة، حتى يجتاحها القرامطة، فيقتلون النساء والرجال والأطفال والشيوخ والمرضى، وليس للهاشميين أي تمييز عن غيرهم – رغم ادعاء القرامطة محبة آل البيت –، فقد كان الهاشميون أول من يبدأ القرامطة بانتهاك حرماتهم، ومع شيوع نبأ القرامطة أخذت الخلافة والدولة الطولونية ترسل الجيوش تلو الجيوش مع كل نشاط للقرامطة، وكانت الجيوش الإسلامية بمثابة الحصن الذى حمى الشام بعض الشيء من فجور القرامطة، حتى تم قتل ثلاثة من قادتهم، فهدأت حركاتهم نسبيًا.

القرامطة فى العراق والهجوم على قوافل الحجاج:

ج: من هم القرامطة؟ وما قصة هجومهم على مكة المكرمة؟

مع بدء نشاط القرامطة فى بلاد الرافدين أرسل الخليفة جيشًا قويًا إلى القرامطة ، فجهز القرامطة كمينًا لجيش الخلافة ، فهزم الجيش العباسي هزيمة نكراء حتى فشا فيهم القتل ولم ينج من الجيش إلا صاحب الدابة القوية أو من أثخنته الجراح فوضع نفسه بالقتلى ، وغنم القرامطة غنائم كثيرة ، وكانت هزيمة فادحة اهتزت لها بغداد حاضرة الخلافة.

بعدها بدأ القرامطة اعتراض طريق الحجاج العائدين من مكة ، حيث اعترض القرمطي قافلة لأهل خراسان فقاتلوه قتالًا شديدًا حتى طلب هو وقف القتال وأعطاهم الأمان ، وما إن أمنوا حتى غدر بهم ، وقتلهم جميعًا إلا من استطاع النجاة شريدًا شاذًا ، ثم أوقع بقافلة أخرى بعدها ، وكان قد غَوَّر الآبار ومنابع الماء حتى عطش الناس ولم يكن بهم قوة على القتال ، وكان يمثل بالقتلى ، ويصنع من جثثهم تلالًا ، وكانت نساء القرامطة تدور بالقتلى والجرحى كأنهن يسق الجرحى فإن ظهر جريح كان يدعي أنه ميت قتلنه بلا رحمة.

واهتز المسلمون جميعًا لأنباء الهجوم على الحجاج ، وجهز الخليفة جيشًا كثيفًا توجه إلى لقاء القرامطة ، فجرت حرب شديدة بين جيش الخلافة والقرامطة أسفرت عن نصر كبير للمسلمين على القرامطة ، ومقتل قائدهم وأسر كبار أهله ، ثم تتبعت الخلافة القرامطة فى العراق حتى كادت أن تبيدهم عن آخرهم.

قرامطة الأحساء من جديد:

مع بداية الاضطراب في حال بغداد فى عهد المقتدر بالله ، عاد النشاط الجم إلى قرامطة الأحساء الذين يتزعمهم أبو سعيد الجنابي ، إذ بدأ ثلاثون رجلا منهم هجومًا على البصرة ، لكن حرس البصرة استطاعوا صد الهجوم ، ثم جاء النبأ بمقتل أبى سعيد الجنابي وأربعة من قواده على يد خادمه الذى كره ما عليه القرامطة من فساد.

واستطاع قرامطة الأحساء هزيمة جيوش الخلافة عدة مرات ، واستطاعوا اجتياح البصرة والكوفة ، والتنكيل بالحجاج العراقيين ، ومنع العراق وخراسان وسائر المشرق الإسلامي من الحج إلى بيت الله المحرم عدة سنين.

تهديد غير مسبوق فى تاريخ الإسلام:

كان لهزائم جيوش الخلافة أبلغ الأثر فى النفوس ، فقد عم البلاء بلاد العراق حتى إن أهل بغداد أنفسهم انصرفوا من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي لنهر دجلة ، ثم حدث تطور خطير فى عام 314هـ ، إذ سارت الأخبار بتوجه القرامطة نحو مكة ذاتها هذه المرة ، وهو ما أشاع الرعب فى مكة حتى إن كثيرًا من أهلها رحلوا إلى الطائف ونواحيها ، وهو ما أدى إلى أن توقف الخلافة قوافل الحج التى تنطلق من العراق وما وراءها من بلاد المشرق لهذا التهديد غير المسبوق فى تاريخ الإسلام!

لقد صار القرامطة اسمًا يثير الرعب والفزع فى القلوب ، وكانت انتصاراتهم المتوالية مع قلة عددهم وصغر سن قائدهم على أضعافهم من الجيوش التى يقودها قادة الخلافة الكبار تزيد من معنوياتهم وثقتهم فى أنفسهم ، كما تزيد من صيتهم في الآفاق والبلاد ، بل وفى جيش الخلافة نفسه ، فى وقت كانت الخلافة العباسية فيه تعانى شر الدسائس والمؤامرات فى بلاط القصر.

انتصار ساحق على جيوش الخلافة:

استعانت الخلافة بقائدها المحنك يوسف بن أبى الساج من أرمينية ، وكلفته محاربة القرامطة ، وتشجع أهل الكوفة لمقدم هذا الجيش ، فأعدوا الطعام والمتاع والدواب لجند الجيش ، لكن أبا طاهر سليمان وصل إلى الكوفة قبل جيش يوسف بن أبى الساج بيوم واحد ، فاستولى على ما أعده أهل الكوفة لجيش الخلافة ، و وصل الجيش الخلافة فوجد أن الكوفة صارت بحوزة القرامطة.

كان جيش يوسف بن أبى الساج يفوق الأربعين ألف مقاتل ، أما القرامطة فلم تتعد أعدادهم الألف وسبعمئة ، ومن فرط ثقة يوسف بن أبى الساج بنفسه أمر الكاتب بإبلاغ النصر إلى الخلافة قبل بدء القتال ، لكن ما إن بدأ القتال حتى هزم جيش الخلافة هزيمة شنيعة ، وأسر القائد يوسف بن أبى الساج وقتل.

أرسلت الخلافة صفوة ما تملك من جيوش ، على رأسها أعظم قوادها ومحقق الانتصارات العظيمة على الروم ( مؤنس التركي ) على رأس ثمانين ألفًا من الجند ، والتقى الجيشان لكن فصل النهر بينهما ، وما أن رأى الجند القرامطة حتى ولوا هاربين رغم وجود النهر بينهما ، وانتهت المعركة قبل بدئها ، لعدم التقاء الجيشين ، ورجع كل طرف إلى أدراجه ، وفى ذلك يقول الخليفة: ”لعن الله نيفًا وثمانين ألفًا يعجزون عن ألفين وسبعمئة“ ، وهذا يوضح الفرق بين الطائفتين ، فتلك طائفة لا تنزع عنها السلاح ولا تقعد عن الحرب ، وتلك طائفة إن حاربت كانت دفاعًا وإن انتهى الخطر عادت إلى مأمنها!!.

هجوم القرامطة بقيادة أبو طاهر الجنابي على مكة المكرمة !! :

ج: من هم القرامطة؟ وما قصة هجومهم على مكة المكرمة؟

كان عام 317هـ أسوأ عام مر على العالم الإسلامي ، ولم يفلته الفاجر أبو طاهر الجنابي، حيث ارتكب جريمة لم يسبقه إليها أحد فى تاريخ الإسلام.

لقد هاجم القرامطة مكة المكرمة يوم التروية ، فاستباحوها ودخلوا إلى المسجد الحرام ، و ارتكبوا مذبحة مجرمة شنيعة فى قلب الحرم المكي ذاته ، ولم يكن ينجو أحد ولو طاف بالكعبة أو حتى تعلق بأستارها ، بل كان السيف دائرًا على الجميع ، فقُتل فى رحاب الكعبة خلق كثير وتركهم أبو طاهر الجنابي فى دمائهم حتى دفنِهم بثيابهم فى أماكنهم ، وألقى كثيرًا من الجثث فى بئر زمزم ، كل هذا وهو يصيح:

أنا الله وبالله أنــــــا        أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا

ولم يقف إجرام أبو طاهر الجنابي على البشر بل تجرأ على الكعبة ذاتها فنزع كسوتها ومزقها وفرقها على أصحابه ، ونزع باب الكعبة ، وهدم القبة المبنية على زمزم ، ثم أمر أحد رجاله باقتلاع ميزاب الكعبة فلما صعد إليه وقع على رأسه ميتًا فلم يحاول ذلك مرة أخرى ، ثم أمر باقتلاع الحجر الأسود من مكانه فتقدم إليه رجل فضربه بحديد فى يده وهو يصيح: أين الطير الأبابيل ، أين الحجارة من سجيل؟ وأخذوه معهم إلى بلادهم! ونهبوا ديار أهل مكة وقتلوا من أهلها خلقًا كثيرًا حتى لقد بلغ عدد القتلى نحو ثلاثين ألفًا ، ثم عادوا إلى ديارهم.

ولا شك أن حدثا كهذا اهتز له العالم الإسلامي كله ، بل تزلزل من أجله ، وافتضح أمر القرامطة لمن بقي في نفسه ذرة من بصر أو عقل ، فعلم القاصي والدانى أنهم على غير ملة الإسلام وأنهم خارجون عنها بالكلية ، فكان هذا العام مما لا يُنسى في تاريخ الإسلام ، وتاريخ البلد الحرام.

—————————————-

المصادر والمراجع:

(1) الكامل فى التاريخ (ج7) ، ابن الأثير

(2) المنتظم فى تاريخ الملوك والأمم (ج13) ، ابن الجوزي

(3) البداية والنهاية (ج11) ، ابن كثير

(4) رحلة الخلافة العباسية (ج2: العباسيون الضعفاء) ، محمد إلهامي

(5) التاريخ الإسلامي (ج6: العهد العباسي الثانى) ، محمود شاكر

(6) موسوعة التاريخ الإسلامي (ج7: تاريخ الجزيرة العربية والعراق) ، أحمد شلبي

(7) تاريخ الدولة العباسية ، محمد سهيل طقوش

(8) موسوعة سفير فى التاريخ الإسلامي (ج4: العصر العباسي) ، خالد عزام

(9) موجز التاريخ الإسلامي ، أحمد العسيري

(10) التاريخ الإسلامي الوجيز ، محمد سهيل طقوش

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0