in

الاندلس..لماذا أحبها العرب و لماذا فقدوها؟

لاد الأندلس … ذلك التاريخ المضيء المشرق بكل جماله وفنونه وزهو عصوره وإبداع علماءه وشعراءه ، يظل واقفاً شاهداً على عظمة ورفعة التاريخ الإسلامي … أنها بلاد الأندلس الجنان المفقودة ، ليذكرنا التاريخ بكل فخر ويقول العرب مروا من هنا .

الاندلس..لماذا أحبها العرب و لماذا فقدوها؟

بلاد الأندلس . . . الجنان المفقودة

 

لا نكاد أن نذكر كلمة “ بلاد الأندلس “ حتى تهفو على العقل والوجدان حقبة زمنية هي الأجمل والأفضل في تاريخنا العربي والإسلامي … بلاد الأندلس خير شاهد وخير دليل على عظمة وقوة وجمال الفن العربي، الذي جمع بين الفن المغربي والشامي لتتجلى أروع آياته في هذا النذر اليسير الذي بقي من تلك المساجد والقصور والحمامات والساحات .

 

أنها بلاد الأندلس الجنة المفقودة، عند ذكرها يختلج الفؤاد بمزيج من الحنين والحسرة على جنة تركناها تنسال من بين أيدينا كالماء، بسبب أطماع وأهواء ملوك وأمراء كانوا لا يقدرون عواقب الأمور ولا يملكون رؤية لأبعد مما تحت أقدامهم، فمن أجل المحافظة على ملكهم تآمروا مع الأعداء حتى ينتصروا على خصومهم من بني جلدتهم ليقدموا المدينة تلو الأخرى هدية للقشتاليين الذين دحروا المسلمين عنها وأخرجوهم من ديارهم، لتعود بلاد الأندلس أو إسبانيا إلي الأمة الأوروبية، ولعل سائل ساذج يتنطع ويقول : لو تركت بلاد الأندلس في يد العرب لأصبحت دولة من دول العالم الثالث ولم تكن لتبقى كما هي الآن ( يقصد إسبانيا) ؟

 

أقول له : عندما كانت بلاد الأندلس في قمة الحضارة والرقي المعماري والأدبي والعلمي، كانت أوروبا كلها ترزح تحت حكم الكنيسة الصلف المتجرد الذي لا يعرف معنى للعلم  أو الفن أو التطور …. دعونا لا نسهب في الحديث وننتقل لنرى حضارة جميلة وجنة باتت منسية من تاريخنا العظيم.

فتح  بلاد الأندلس …

حين أنعم الله على الفاتح ”طارق بن زياد“ واستطاع هزيمة القوط في معركته الشهيرة وادي لكة وذلك عام 711 م ، ودخل بلاد الأندلس واستمر في فتوحاته للمدينة تلو الأخرى، أعجب العرب بتلك الطبيعة الساحرة التي منحها الله عز وجل  لتلك البلاد، فاستثارت فيهم روح الفن وأنارت بصرهم لحب الجمال والاعتناء بالعمارة وتنسيق الحدائق، فأقاموا الجسور وبنوا الساحات وفتحت الحوانيت والمتاجر والحمامات العامة وبرعوا في كيفية مدها بأنابيب المياه الساخنة، لتساعدهم على الاسترخاء وتزيل عنهم الهموم، وبنوا القصور العامرة في كل المدن التي فتحوها، فلا تكاد تخلو مدينة من بناء فخم يتميز بالجمال والفن المعماري الفريد .

فعندما دخل العرب بلاد الأندلس ، اتخذوا من قرطبة مقراً للحكم ثم انتقل بلاط الحكم إلي اشبيلية ومنها إلي غرناطة حتى سقوطها عام 1492 م على أيدي القشتاليين المسيحيين بقيادة الأمير فرناندو وزوجته إيزابيلا، وكانت نهاية عصر العرب في بلاد الأندلس .

كان لتبدل العواصم على بلاد الأندلس أثره في رفعة كل مدينة وازدهارها فترة من الزمن، فحين حكم  المسلمون قرطبة واستقر لهم الحال عمد الحاكم عبدالرحمن الناصر إليها وقام ببناء القنطرة المتهدمة وأعادها للحياة لتربط طرفي المدينة، وكذلك بني بها المسجد الجامع وكان جامعة للعلوم الدينية والدنيوية وكان يتميز بنقوشه وزخارفه ومنمقاته واستخدمت الأقواس المزدوجة لربط الأعمدة الرخامية ببعضها، وبرع المهندسون العرب في توصيل الماء للمسجد حتى يتمكن المصلون من الوضوء بيسر وسهولة، وساعد هذا الأمر على بناء الحمامات العامة التي زينت بالخزف المزخرف والفسيفساء، وتحول هذا المسجد بعد الانحسار الإسلامي إلي كاتدرائية ومازالت قائمة إلي الآن وبها الكثير من النقوش والآيات القرآنية، وكذلك أسس بها عبدالرحمن الداخل قصر الزهراء وكان آية معمارية فريدة الجمال حيث غطت الزخارف والنقوش جنباته الداخلية وبناه وأنفق عليه بسخاء وسماه الزهراء على اسم زوجته.

 

قرطبة

 

قرطبة

أشبيلية عاصمة لبلاد الأندلس …

وحين قام البربر بثورتهم في بلاد الأندلس عام 1010م، نجحوا في تقسيم الأندلس إلي دويلات صغيرة  وكان عددها أكثر من 12 دويلة أو طائفة وعرفت تلك الفترة باسم “ ملوك الطوائف “ خلال حكم دولة الموحدين، هُجرت قرطبة  وأصابها الدمار والخراب ونقلت مقاليد الحكم إلي اشبيلية، إلي أن آل الحكم إلي المعتمد بن عباد عام 1042م، وكان يعرف بالملك الشاعر حيث اهتم بالأدباء والشعراء وأصبحت المدينة ملتقى لطلاب العلم والتجار وبنيت بها المتاجر وازدهرت فيها الاسواق والقيساريات وشيدت فيها القصور وزرعت الحدائق وبلغت ذروتها من المجد، وظلت على هذا الحال حتى قدوم المرابطين لنجدة بلاد الأندلس ضد هجوم قشتالة الشمال، فأزاحوا كل ملوك الطوائف الخانعين  بقيادة يوسف بن تاشفين، لكن لم يدم لهم الأمر طويلاً إذا سرعان ما عادت دولة الموحدين وبسطت نفوذها على المدينة مرة أخرى.

ملوك الطوائف

وكان من أشهر معالم اشبيلية منارة خيرالدا التي بنيت في عهد يوسف بن يعقوب ، وكانت أشبه بالمأذنة وشيدت من أجل أن يرفع منها الآذان ليصل إلي أبعد مدى، لكنها تحولت فيما بعد إلي برج تابعاً لإحدى الكنائس .

بلاد الأندلس

غرناطة آخر عاصمة لبلاد الأندلس …

وبعد أفول نجم اشبيلية وسيطرة الإسبان (القشتاليين) على معظم أنحاء البلاد، انحسرت الدولة الإسلامية في بلاد الأندلس في  مدينة غرناطة  التي عمد أهلها إلي تحصينها وتأمينها والعمل على رفعتها، وأصبحت تضم كل من بقي من مسلمي الأندلس الراغبين في مواجهة هذا الزحف القشتالي، وبالفعل صمدت المدينة ما يقرب من قرنين ونصف القرن من الزمان قبل أن تلحق بأخواتها، وكان لقربها من نهر يدعى شنيل عظيم الأثر في تواصل إمدادها بالماء، الذي جعل المعماريون يتوسعون في إنشاء القصور والحدائق الغناء وبرك المياه والنوافير، حتى قدوم بنو الأحمر وشيدوا بها القصور والساحات واهتموا بالعلم والفن وطوروا شتى مناحي الحياة فيها، ومنها قصر الحمراء بحصونه وأقسامه العديدة والحديقة المحيطة به وساحة الأسود التي تتوسط الحديقة الأمامية  ليصبح تحفة معمارية غاية في الجمال، وما حواه من الداخل من نقوش جصية على الجدران وفي الأسقف ومتدليات معقدة وآياتٍ قرآنيه في جنباته .

بلاد الأندلس

بلاد الأندلس

وكان الملك محمد بن نصر بن الأحمر قد خاض حروباً عدة مع جيرانه من أجل جمع شتات المسلمين أو ما تبقى منهم لتمكين مُلكه  في المدينة، وبعد تعدد انتصاراته واستتباب الأمور له  بنى قصر الأحمر وزينت جدرانه عبارة شهيرة ”لا غالب إلا الله “ لذا لقبوه بـ ”الغالب بأمر الله“ …  وكان عصر أبي الحجاج يوسف الأول هو العصر الذهبي لمدينة غرناطة،  وتوالى حكام بنو الأحمر لمدة تزيد عن قرنين ونصف من الزمان حتى انتهى حكمهم وزال ملكهم على يد المسيحين الإسبان وذلك عام 1492 م ، ليطوي التاريخ صفحة تاريخ العرب في بلاد الأندلس .

بلاد الأندلس

بلغ الفن في فترة الحكم الإسلامي لبلاد الأندلس منزلة راقية، فلا تكاد تخلو مدينة من مدن بلاد الأندلس ــ التي فاق عددها المائة مدينة ــ من معلم معماري يتسم بالذوق والجمال، ولم يقتصر الأمر على العمارة بل شمل مختلف الفنون والأدب من رسم وشعر ونحت وموسيقى وغيرها.

تميز الفن المعماري الأندلسي بالرشاقة والبعد عن الضخامة ، والبساطة في الشكل الخارجي والدقة والترابط والتعشيق في الشكل الداخلي، فمن ناحية الشكل الخارجي كانت القلاع والحصون مزودة بسور خارجي ومجموعة من الأبراج للدفاع عن كل مدينة ولم تكن شاهقة ولكنها كانت مزودة بالكثير من الأساليب الدفاعية، أما القصور والمساجد في بلاد الأندلس فقد تميزت بالرحابة والفخامة بأعمدتها ذات الأقواس المحدبة أو المنتهية بتيجان مزخرفة فقد كانت تتزين جدران القصور والمساجد بصور متداخلة للنباتات وتضافرت بتناسق عجيب مع ربطها بالآيات القرآنية، وبرع الفنانين في تنسيق وتصميم الحدائق فكانت متنوعة بها الأشجار الوارفة والبساتين الناضرة، وكان يتوسطها أحواض المياه والنوافير حيث كانت تغذيها ميازيب المياه القادمة من أعالي الجبال التي تنساب عبر أقنية وجنادل دقيقة تم شقها بحرفية، لتعبر في جنبات القصر وعلى أرضياته وتغذي البرك بالمياه وينسال الفائض منها في قنيات تحت الأرض ليروي الحدائق المتدرجة في  تصميم  هندسي رائع بالغ الدقة والروعة، ولا أدل على ذلك من ”جنة العريف“ القائمة بمدينة غرناطة تلك الحديقة الغناء التي كانت ملجأ للأمراء للتنزه والاستجمام حيث تقع على ربوة مرتفعة وتطل على وادي من السهول الخضراء .

بلاد الأندلس

بلاد الأندلس

ما كانت هذه الطبيعة الخلابة وتلك العمارة الآسرة والازدهار والرقي في شتى مجالات الحياة وانتشار الفنون بمختلف ألوانها إلا أن تنتج أجيالاً من العلماء والمفكرين والفلاسفة والفنانين “ منهم الفيلسوف ابن رشد ، والموسيقي زرياب ،و ابن عربي والإمام الشاطبي والقرطبي ، إضافة لعلماء أجلاء أمدوا البشرية بعلومهم مثل ابن خلدون  وابن حزم وعالم الهندسة والطيران عباس ابن فرناس … وغيرهم .

لتصبح بلاد الأندلس درة تشتاق لها النفوس وتهفو لها القلوب ليس لجمال مبانيها وروعة حدائقها فحسب بل لعلو وعظمة علماءها وفقهاءوها … وعصرها الذهبي الذي يمثل العصر الذهبي للعالم الإسلامي …

 لتكون بلاد الأندلس وبحق هي جنة العرب المفقودة .

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0