in

كيف هزم قطز المغول؟

بعد أن وصل قطز إلى عرش مصر ، وبعد أن وصل المغول كذلك إلى غزة ، وصاروا على وشك اجتياح مصر وسائر أنحاء أفريقية ، هل كان قطز يليق بالمسئولية التى تحملها؟ وكيف استعد لملاقاة المغول؟ وما هي تلك الأسباب التى مكنته من الانتصار عليهم؟ وكيف جرت معركة عين جالوت الخالدة؟

كيف هزم قطز المغول؟

كان على سيف الدين قطز أعباء تعجز الجبال على حملها ، فالأزمات الاقتصادية الطاحنة تمر بالبلاد ، والعلاقات ممزقة مع البلدان المجاورة ، وشبح المغول يلوح فى الأفق ، والفتنة ناشبة بين المماليك الصالحية والمماليك المعزية ، تعالوا لنتناول بشيء من التفصيل عن وضع مصر عشية جلوس سيف الدين قطز على العرش ، وعن حالتها المزرية أثناء اجتياح الشام ، وعما فعله قطز من إعداد للمعركة ، وكيف استطاع قطز أخيرًا القضاء على زحف المغول.

* مصر قبل المعركة:

ج: كيف استعد قطز لمواجهة المغول؟ وكيف استطاع هزيمتهم فى عين جالوت؟

كان الوضع فى مصر متأزمًا جدًا ، فالمسرح الساسي كان يموج بالاضطرابات العاصفة ، والأزمات الشديدة ، وإن كان قطز قد استقر على كرسي الحكم ، لكن لا شك أن هناك الكثير من الطامعين ، ومن المؤكد أن هؤلاء سوف يتحركون لإقصاء قطز عن العرش ، أو قتله كما اعتاد المماليك أن يفعلوا.

كما كانت الفتنة دائرة بين المماليك البحرية والمماليك المعزية ، وقد فر كثير من المماليك البحرية إلى إمارات الشام ، وهذا الانقسام – بلا شك – أضعف القوة العسكرية المصرية.

وإذا كان المسرح الداخلي على تلك الصورة الخطيرة ، فإن المسرح الخارجي كان يحمل مشكلات كبيرة ، فالعلاقات ممزقة بين مصر وكل جيرانها ، بل كانت روح العداء شديدة بين الطرفين ، ومعنى ذلك أن تلك العزلة المقيتة ستسهل جدًا على الوحش المغولي ابتلاع مصر كما ابتلع غيرها.

أما عن الوضع الاقتصادي ، فكانت الأزمات الاقتصادية الطاحنة تمر بالبلاد من جراء الحملات الصليبية المتكررة ، ومن جراء الحروب المتكررة بين مصر والشام ، فتردى الاقتصاد إلى أبعد درجات التردى ، وباتت البلاد على حافة هاوية سحيقة شبه مؤكدة.

* الوحدة أداة لتهشيم الأزمات:

ج: كيف استعد قطز لمواجهة المغول؟ وكيف استطاع هزيمتهم فى عين جالوت؟

أولى الخطوات التى أقدم عليها سيف الدين قطز للخروج من الأزمة هي استقرار الوضع الداخلي لمصر ، وقطع أطماع الآخرين فى كرسي الحكم ، لكنه لم يفعل ذلك عن طريق التهديد والوعيد أو بالغش والتحايل ، ولكنه ارتفع بأخلاق منافسيه ، فاجتمع بالأمراء والقادة والعلماء والأعيان ، و وضح لهم أنه ما سيطر على الحكم إلا لقتال المغول ، و وعدهم بالتنازل عن الحكم إن استطاعوا كسر شوكة المغول.

ومع أن قطز قد استخدم الأهداف النبيلة لتجميع القواد حوله ، إلا أنه لم يتخل عن الحزم فى الإدارة ، فعزل وزيرًا لولائه الشديد لشجر الدر ، و ولى آخر يثق فى ولائه وقدراته ، وكذلك أقر قائد الجيش فى مكانه مع أنه من المماليك البحرية ، إلا أنه وجد فيه كفاءة عسكرية وقدرة قيادية ، وبذلك حفظ قطز الأمانة ، و وسد الأمر لأهله.

ثم أقدم قطز على شغل الناس بالجهاد فى سبيل الله ، فبمجرد اعتلائه عرش مصر أمر قائد جيشه ، بإعداد العدة وتنظيم الصفوف ، وبذلك استقرت الأحوال الداخلية فى مصر.

* المماليك البحرية تنضم إلى مصر:

ج: كيف استعد قطز لمواجهة المغول؟ وكيف استطاع هزيمتهم فى عين جالوت؟

أصدر قطز قرارًا بالعفو العام عن كل المماليك البحرية ، وكانت تلك الخطوة البارعة عاملاً من عوامل الوحدة ، فلا شك أن انضمام المماليك البحرية إلى المماليك المعزية سيكون جيشًا قويًا قادرًا على مواجهة قوات المغول ، وبالفعل توافد المماليك البحرية إلى مصر ، وعادت قوة المماليك واحدة كما كانت ، والأهم فى ذلك ، أنه قد عاد القائد الفذ ركن الدين بيبرس إلى مصر ، فكفاءته القتالية عالية جدًا ، وحميته الإسلامية كبيرة ، إضافة إلى ولاء المماليك البحرية الشديد له.

* الوحدة مع الشام:

ج: كيف استعد قطز لمواجهة المغول؟ وكيف استطاع هزيمتهم فى عين جالوت؟

بعد الاستقرار الداخلي فى مصر ، حرص قطز على الاستقرار الخارجي مع جيران مصر ، فالعلاقات كانت متوترة جدًا ، لكن سيف الدين قطز حرص على إذابة تلك الخلافات ، فأرسل رسالة إلى الناصر يوسف – قبل سقوط حلب – يعرض عليه الوحدة مع مصر ، ومساعدته فى مواجهة المغول ، بل والتنازل عن الحكم له ، لكن الناصر يوسف لم يستجب لذلك ، وآثر الفرقة على الوحدة ، وكان مصير جيشه الفرار ، ومصيره هو القتل بعد عين جالوت ، ولكن جيشه لجأ إلى مصر ، وبذلك ازداد جيش مصر قوة ورسوخًا.

لم يكتف قطز بهذه الجهود مع الناصر فحسب ، بل راسل بقية أمراء الشام ، فاستجاب له صاحب حماة والتحق هو وجيشه بجيش قطز فى مصر ، أما صاحب الكرك فقد آثر الحياد ، والبقاء مراقبًا للأحداث ، للالتحاق بعد ذلك بالمعسكر المنتصر ، أما صاحب حمص وصاحب بانياس ، فقد التحقا بالمغول وانضما بجيوشهما إلى هولاكو لمحاربة المسلمين!!

* أهل مصر قبل المعركة:

ج: كيف استعد قطز لمواجهة المغول؟ وكيف استطاع هزيمتهم فى عين جالوت؟

كان الشعب يعانى من أزمة اقتصادية طاحنة ، وعادة ما تفقد الأزمات طموحات الشعوب ، إلا إذا جاء من يحضهم على الجهاد فى سبيل الله ، فعندها يهون كل شيء ، وقد كان أهل مصر كغيرهم من الشعوب الإسلامية يصيبه الذعر الشديد والهلع الكبير عند السماع بأخبار المغول ، ولقد يسر لقطز مهمة تربية الشعب على معانى الجهاد قيمتان ، إحداهما احترام العلماء وتبجيلهم ، والأخرى قيمة الجهاد فى سبيل الله ، وقد كانت الحملات الصليبية سببًا فى بقاء الشعور بحتمية الجهاد فى مصر والشام.

* قطز فى المواجهة:

ج: كيف استعد قطز لمواجهة المغول؟ وكيف استطاع هزيمتهم فى عين جالوت؟

كثيرًا ما تُفرض المعارك على المسلمين فرضًا ، فبينما كان قطز فى إعداده السريع ، جاءته رسل هولاكو يخبرونه أن اللقاء أسرع مما يتخيل ، وأن الحرب على وشك الوقوع ، وما بين عشية وضحاها ستهجم جحافل المغول على مصر ، شاء قطز أم أبى.

لقد جاءت رسل هولاكو وهي تحمل رسالة تقطر سمًا ، وتفيض تهديدًا و وعيدًا وإرهابًا ، لا يقوى على قراءتها إلا من ثبته الله جل وعلا ، فعقد قطز مجلسًا استشاريًا مع كبار القادة والأمراء ، وبدأوا فى مناقشة تلك القضية ، وقد كان قطز أمام خيار واحد هو الحرب ، ولكن الاختيار على أمرائه صعب للغاية ، فالفجوة واسعة جدًا بين دولة المغول ودولة المماليك ، ولا مقارنة أبدًا بين أعداد المغول وأسلحتهم وأعداد المصريين وأسلحتهم.

حتى يحمس أمراءه وقادته ويشجعهم على المواجهة ، قرر قطز مواجهة المغول بنفسه ، وأن يكون على رأس الجيش الذى سيقارع جحافل المغول ، كما قام بقطع أعناق الرسل الذين أرسلهم هولاكو ، وذلك لقطع طريق الاستسلام على قادته ، وإعلان الحرب على المغول.

* المشكلة الاقتصادية:

ج: كيف استعد قطز لمواجهة المغول؟ وكيف استطاع هزيمتهم فى عين جالوت؟

كان على قطز تجهيز الجيش ، وإعداد التموين اللازم له ، وإصلاح الجسور والقلاع والحصون ، وإعداد العدة اللازمة للحرب ، وتخزين ما يكفى للشعب فى حال الحصار ، لكن الأزمة الاقتصادية التى تمر بالبلاد أزمة طاحنة ، فاجتمع قطز بالعلماء والقادة ، واقترح فرض ضرائب على الشعب ، إلا أن العالم الجليل العز بن عبد السلام رفض ذلك ، إلا بشرطين عسيرين ، أحدهما أن يفرغ بيت المال تمامًا مما فيه من أموال ومتاع يستعان به على الحرب ، والآخر أن يبيع الأمراء والأعيان كل ما لديهم وأن يقتصر كل فرد منهم على سلاحه وفرسه فقط!!

انصاع قطز والأمراء لأوامر العلماء ، فباعوا كل ما لديهم ، واكتشف قطز أن ما عند الأمراء يكفى لسد تلك الأزمة الطاحنة ، وبذلك تم تجهيز جيش عظيم مهيب ، جيد الإعداد ، وشديد البأس.

* التخطيط والإعداد للمعركة:

ج: كيف استعد قطز لمواجهة المغول؟ وكيف استطاع هزيمتهم فى عين جالوت؟

جاء وقت إعداد الخطة ، و وضع الخريطة لتحرك الجيش ، واجتمع قطز مع كبار القادة لبحث أفضل طريقة لحرب المغول ، وأفضل الظروف لتحقيق الانتصار ، واقترح قطز الخروج بالجيش لمقابلة المغول فى فلسطين ، لكن القادة هاجوا وماجوا واعترضوا على ذلك الرأي ، ورأوا بقاء قطز فى مصر يدافع عنها من داخلها.

بدأ قطز يناقش الأمراء ويشرح مزايا خطته ، فأمن مصر يبدأ من حدودها الشرقية ، ولن تكون مصر فى مأمن طالما أن فى الجوار دولة قوية معادية لها ، كما أن من الأفضل نقل المعركة إلى ميدان الخصم ، فذلك يوفر خط رجعة آمنًا إذا حدثت هزيمة للجيش ، وكذلك يكون فى يد المسلمين عنصر المفاجأة ، فيختاروا هم ميعاد المعركة ومكانها ، أما انتظار المغول كي تطول عليهم خطوط الإمداد ، أو إجبارهم على اجتياز صحراء سيناء ، فذلك لا فائدة منه ، وقد أثبت المغول أن لديهم قدرة عالية فى اجتياز الموانع الطبيعية المختلفة ، وحفظ خطوط التموين والإمداد.

* مشكلة عكا:

ج: كيف استعد قطز لمواجهة المغول؟ وكيف استطاع هزيمتهم فى عين جالوت؟

كانت بعض أجزاء فلسطين واقعة تحت نير الاحتلال الصليبي ، وكانت أقوى إمارات الصليبيين هي إمارة عكا ، وهي تقع فى طريق قطز إذا أراد محاربة المغول فى فلسطين ، فكان على قطز عدم فتح جبهتين فى وقت واحد وهو محاربة الصليبيين والمغول معًا ، وكذلك كان عليه الانتهاء من مشكلة الصليبيين فى عكا ، فيمكن حدوث تعاون صليبي مغولي ، وبذلك يقع الجيش الإسلامي بين شقي الرحا.

كان الصليبيون يكرهون المغول ، من جراء خيانتهم للعهود ، ومن جراء إعتداءاتهم المستمرة عليهم ، الأمر الذى شجعهم على إقامة هدنة مؤقتة مع قطز ، وقد أصر قطز على أن تكون الهدنة مؤقتة ؛ لأن الصليبيين – كالمغول – ليسوا إلا محتلين لبلدان المسلمين ، وهددهم قطز بأن أي خيانة للعهد ستجعل جيش المسلمين يترك المغول ويتجه بكل ثقله نحو إمارات الصليبيين ويبيدها ، و رغبهم ببيع خيول المغول – إذا انتصر المسلمون – بأسعار منخفضة ، فى مقابل إسهام الصليبيين فى إمداد الجيش بالمؤن والعتاد.

وبذلك أصبح الطريق إلى لقاء المغول آمنًا.

* جيوش المسلمين نحو فلسطين:

ج: كيف استعد قطز لمواجهة المغول؟ وكيف استطاع هزيمتهم فى عين جالوت؟

تجمع جيش المسلمين فى شرق القاهرة ، واتجه شرقًا حتى وصل إلى سيناء ، ثم تحرك شمالاً حتى وصل إلى ساحل البحر المتوسط ، فسار بحذائه نحو فلسطين ، ومن الجدير بالذكر أن ذلك الزحف كان فى فصل الصيف ، فى صحراء سيناء القاحلة ، ولا مدن آهلة فى تلك المنطقة سوى العريش ، وصبر الجيش المسلم ، وقد كان قطز يتحرك على تعبئة ، حتى يكون جاهزًا للقتال إذا فاجأته قوات المغول ، وقد وضع قطز على مقدمة جيشه ركن الدين بيبرس ؛ ليكون أول من يصطدم بالمغول ، وبالطبع تكون فرصة النصر أكبر على يد ذلك القائد الفذ ، وقد جعل قطز المسافة بين مقدمة الجيش وباقى الجيش كبيرة نسبيًا ، حتى إذا رآها جواسيس المغول اعتقدوا أن ذلك كل الجيش ، وبذلك تكون استعدادات المغول على ذلك الأساس.

* إلى عين جالوت:

ج: كيف استعد قطز لمواجهة المغول؟ وكيف استطاع هزيمتهم فى عين جالوت؟

اجتاز ركن الدين بيبرس الحدود المصرية ، ودخل رفح وخان يونس ، وبالفعل اكتشفت عيون المغول فرقة بيبرس ، واستعدت حامية غزة المغولية للقائه ، لكن بيبرس استطاع القضاء عليها ، وفر من استطاع الفرار ، و مني المسلمون بأن رأوا بأم أعينهم أن المغول كباقى جنس البشر يُقتلون ويفرون ويُأسرون.

بعد انتصار غزة اتجه جيش المسلمين إلى الشمال ، فمر على عسقلان ويافا وحيفا حتى وصل إلى عكا ، وقد تمت مراسلات بين قطز والصليبيين للتأكيد على الاتفاقيات السابقة ، ثم غادر قطز عكا وعزم على اختيار المكان المناسب للقاء المرتقب مع المغول.

فى تلك الأثناء كان كتبغا قد وصلته فلول المغول المنهزمين فى غزة ، فاتخذ كتبغا قراره بالتوجه بسرعة لحرب المسلمين ، واتجه بجيشه من سهل البقاع فى لبنان فعبر نهر الأردن ، واكتشفت الاستطلاعات الإسلامية تحركات كتبغا ، ونقلت الأخبار إلى قطز الذى كان قد غادر عكا واجتاز مدينة الناصرة ، حتى وصل إلى سهل عين جالوت ، وهي منطقة قريبة نسبيًا من منطقة حطين الذى استطاع فيها صلاح الدين دحر الصليبيين ، كما أنها قريبة من منطقة اليرموك التى استطاع فيها خالد بن الوليد أن ينتصر على الروم نصرًا مؤزرًا ، وبذلك ساهمت تلك الذكريات فى رفع الروح الإسلامية لدرجة عالية.

وجد قطز سهل عين جالوت منطقة مناسبة للمعركة ، فهو سهل واسع منبسط تحيط به التلال من كل جوانبه إلا الجانب الشمالي ، كما تعلو تلك التلال الأشجار والأحراش فيسهل ذلك عمل الكمائن ، وأخذ قطز يرتب جيشه ، فوضع على ناحية السهل الشمالية مقدمة جيشه بقيادة ركن الدين بيبرس ، بينما أخفى قطز بقية جيشه خلف التلال والأحراش.

كان ذلك يوم الرابع والعشرين من شهر رمضان شهر الانتصارات الإسلامية الخالدة ، وما بقيت إلا سويعات قليلة ويحدث الصدام المروع بين أمة الإسلام وقوة المغول.

* وتقابل الطرفان:

ج: كيف استعد قطز لمواجهة المغول؟ وكيف استطاع هزيمتهم فى عين جالوت؟

جاء جيش كتبغا تسبقه سمعته العالية فى سفك الدماء وتخريب الديار ، أما قطز فقد تفاجأ بأعداد غفيرة من المتطوعين المسلمين من أهل فلسطين يلتحقون بجيش المسلمين ، وقد تيقنوا أن ملحمة مروعة على وشك الالتهاب.

وبينما هم كذلك جاء رجل من أهل الشام ، وهو رسول لأحد أمراء المسلمين الذين دانوا بالولاء لهولاكو ، وأراد إفادة المسلمين قدر الإمكان ، فأرسل ذلك الرسول ليخبر قطز بأن جيش المغول ليس فى قوته المعهودة ؛ لأن عددًا منه التحق بهولاكو فى تبريز ، وأن ميمنة المغول أقوى من ميسرتهم ، فعلى قطز تقوية ميسرة المسلمين التى ستتصادم مع ميمنتهم ، وأخبر ذلك الرسول قطز أن أميره وأمير حمص (الأشرف الأيوبي) سوف يخرجون مع المغول ، لكنهم عقدوا العزم على الانهزام والانضمام إلى جيش المسلمين.

مع تلك المعلومات المهمة لم يهمل المسلمون إعدادهم ، فلعل تلك المعلومات خدعة من المغول ، وباتوا ليلتهم يتضرعون إلى الله ويدعونه أن ينزل نصره على المجاهدين ، وأشرقت شمس يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان ، وقد لاح فى الأفق جيش المغول.

* واحتدم اللقاء:

ج: كيف استعد قطز لمواجهة المغول؟ وكيف استطاع هزيمتهم فى عين جالوت؟

عند قدوم جيش المغول كان الجيش الإسلامي مختفيًا خلف التلال ، بما فى ذلك المقدمة بقيادة ركن الدين بيبرس ، فأمره قطز بالنزول بفرقته ، فنزلت مقدمة المسلمين بخطوات ثابتة وبنظام بديع ، وتتابعت كتائب المقدمة الإسلامية فى النزول إلى ساحة المعركة.

رأى كتبغا أن القوات الظاهرة أمامه قليلة جدًا ، ولم يكن يعلم بأمر القوات الرئيسية الرابضة خلف التلال ، فأراد حسم المعركة لصالحه ، وقرر الدخول بكامل جيشه لحرب مقدمة المسلمين ، فانهمرت جموع المغول الرهيبة على مقدمة جيش المسلمين ، وارتطم الجيشان ارتطامًا مروعًا ، وسرعان ما تناثرت الأشلاء وسالت الدماء.

كانت هذه الفرقة المملوكية من أفضل فرق المسلمين ، وقد أحسن قطز اختيار أفرادها لتحمل الصدمة الأولى ، أما كتبغا فقد استخدم كل طاقته ، ولم يترك أي قوات للاحتياط خلف جيشه ، ومع الفجوة الهائلة بين الفريقين إلا أن اللقاء سجالاً فى ساعاته الأولى.

كان الجزء الأول من الخطة الإسلامية استنزاف القوات المغولية ، والتأثير على نفسياتهم عند مشاهدة ثبات المسلمين وقوة بأسهم ، وقد تم تنفيذ ذلك الجزء بكل براعة ، وكان على ركن الدين بيبرس تنفيذ الجزء الثانى من الخطة ، وهو سحب جيش المغول إلى سهل عين جالوت ، بحيث تدخل قوات المغول فى الكمائن الإسلامية ، وكان ذلك الجزء صعبًا جدًا ، فكان على بيبرس التراجع بظهره وهو يقاتل ، على ألا يكون ذلك التراجع سريعًا جدًا فيلفت أنظار المغول إلى الخطة ، ولا بطيئًا جدًا فتهلك قوات المسلمين ، وبالفعل دخل جيش المغول بكامله سهل عين جالوت.

* المغول فى المصيدة:

ج: كيف استعد قطز لمواجهة المغول؟ وكيف استطاع هزيمتهم فى عين جالوت؟

نزلت الكتائب الإسلامية العظيمة من خلف التلال إلى ساحة المعركة ، وأسرعت إحدى الفرق لتغلق المدخل الشمالي – والوحيد – لسهل عين جالوت ، وبذلك أحاطت القوات الإسلامية بالمغول إحاطة السوار بالمعصم ، ولكن ذلك كلف المسلمين جهدًا هائلاً ، فحصار المغول دون ترك طريق هروب لهم ، جعلهم يقاتلون قتال المستميت.

ظهر تفوق الميمنة المغولية ، وبدأت تضغط على ميسرة المسلمين ، وبدأت القوات الإسلامية تتراجع تحت الضغط الرهيب للمغول ، وبدأ الشهداء يتساقطون ، فدفع قطز قواته الاحتياطية إلى ميسرة المسلمين ، ولكن الضغط المغولي استمر ، وتأزم الموقف جدًا ، وهنا لم يجد قطز سوى حل وحيد لا بديل عنه.

* وا إسلاماه:

ج: كيف استعد قطز لمواجهة المغول؟ وكيف استطاع هزيمتهم فى عين جالوت؟

بدأ الشهداء يتساقطون ، وبدأ الجنود يتراجعون ، وهنا فعل قطز فعلا مجيدًا ، فقد ألقى بخوذته على الأرض ، وأطلق صيحته الشهيرة التى قلبت موازين المعركة ، فقد صرخ بأعلى صوته: ”واإسلاماه .. واإسلاماه“ ، ففوجئ الجند بوجود القائد بينهم يعانى ما يعانون ، ويشعر بما يشعرون ، ويقاتل كما يقاتلون.

وأدرك الجند أن القضية ليست حفاظًا على ملك أو حماية لكرسي ، وإنما إغاثة الإسلام والدفاع عنه ، فالتهب حماس الأجناد ، وهانت عليهم جيوش المغول ، وانطلقوا فى جسارة يصدون الهجمة المغولية الهائلة.

ثم صوب أحد المغول سهمه نحو قطز ، فأصاب الفرس الذى كان يمتطيه قطز ، وقُتل الفرس من ساعته ، فترجل قطز على الأرض ، وقاتل ماشيًا! ، فجاءه أحد الأمراء مسرعًا ، وتنازل له عن فرسه ، إلا أن قطز امتنع ، وظل يقاتل ماشيًا إلى أن جاءه فرس من الخيول الاحتياطية ، وبدأت الكفة تميل من جديد لصالح المسلمين ، وارتد الضغط على المغول ، وأطبق المسلمون الدائرة على المغول ، وكان يومًا على الكافرين عسيرًا.

* مصرع الطاغية:

ج: كيف استعد قطز لمواجهة المغول؟ وكيف استطاع هزيمتهم فى عين جالوت؟

تقدم أمير من المماليك المهرة فى القتال ، واخترق صفوف المغول كلها فى حملة صادقة موفقة ، حتى وصل إلى كتبغا قائد المغول ، ورفع البطل سيفه ، وذبح طاغية المغول ، فسقطت كل عزيمة تبقت عند جيش المغول ، وما أصبح لهم من هم إلا فتح طريق لأنفسهم ؛ ليتمكنوا من الهرب ، وانطلق المسلمون خلفهم ، يقتلون فريقًا ويأسرون فريقًا ، وسقطت جحافل المغول تحت سنابك خيل المسلمين صرعى ، وضاعت سمعتهم ، وسقطت هيبتهم ، ومزق جيشهم.

* نهاية الأسطورة:

ج: كيف استعد قطز لمواجهة المغول؟ وكيف استطاع هزيمتهم فى عين جالوت؟

استطاع المغول بعد جهد كبير فتح ثغرة فى مدخل عين جالوت ، وانطلقوا فى سرعة عجيبة يولون الأدبار ويسرعون الخطى نحو الشمال ، وجيوش المسلمين تلاحقهم ، حتى وصل المغول إلى بيسان ، والمسلمون ما زالوا خلفهم ، و وجد المغول أن المسلمين جادون فى طلبهم ، فاصطفوا من جديد ، لتدور موقعة أخرى عند بيسان ، كانت أشد هولاً من الأولى ، فقد قاتل المغول دفاعًا عن أنفسهم وحياتهم بكل قوة ، وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديدًا ، لكن قطز تضرع إلى الله بالدعاء ، فما كان إلا وخارت قوات المغول ، وبدأوا يتساقطون كالذباب على أرض بيسان ، وارتفعت راية المسلمين ، وتهاوت راية المغول بعد أربعين سنة من العتو فى الأرض.

وخار قطز على الأرض ساجدًا لله ، وشاكرًا له على نصر المؤمنين ، ودحر قوى الكافرين ، ونصر الله الذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.

——————————–

* المصادر والمراجع:

(1) الكامل فى التاريخ ، ابن الأثير

(2) المنتظم فى تاريخ الملوك والأمم ، ابن الجوزي

(3) البداية والنهاية ، ابن كثير

(4) السلوك لمعرفة دول الملوك ، المقريزي

(5) بدائع الزهور فى وقائع الدهور ، ابن إياس

(6) التاريخ الإسلامي (ج7: العهد المملوكي) ، محمود شاكر

(7) موسوعة التاريخ الإسلامي (ج5: تاريخ مصر والشام الإسلامي) ، أحمد شلبي

(8) دولة المماليك فى مصر والشام ، محمد سهيل طقوش

(9) موسوعة سفير فى التاريخ الإسلامي (ج5: العصر المملوكي) ، مفيد الزيدي

(10) موجز التاريخ الإسلامي ، أحمد العسيري

(11) التاريخ الإسلامي الوجيز ، محمد سهيل طقوش

(12) النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة ، ابن تغري بردي

(13) درة الأسلاك فى دولة الأتراك ، ابن حبيب

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0